الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

“أسطوريات” رولان بارت.. للحاضر أيضاً ميثولوجياته

أسطوريات
رولان بارت
ترجمة: رضا قريرة

***

علاء رشيدي

أنجز المترجم التونسي توفيق قريرة ترجمةً جديدة لكتاب “أسطوريات.. أو أساطير الحياة اليومية” للسيميولوجي الفرنسي رولان بارت (1915-1980)، صدرت عن “منشورات الجمل” (مارس 2018).

في وقت غير بعيد، كان نشر أو إعادة نشر كتاب من تأليف بارت حدثاً في معظم الثقافات التي وصلها، وليست العربية استثناء، فقد تميّز بارت بفرادة أفكاره واختيارات حسنة لعناوينه ومواضيعه، أعمال مثل “المغامرة السيميولوجية”، و”شذرات في خطاب محب”، و”رولان بارت بقلم رولان بارت”، و”الدرجة الصفر من الكتابة”.

وكتاب “أسطوريات” أحد هذه المؤلفات. العمل الذي صدر أوّل مرة في 1957 كان من وراء تأليفه فكرة، ألا وهي التنظير إلى تفاصيل الحياة اليومية باعتبارها الأساطير المعاصرة للثقافة الإنسانية. يكتب بارت في المقدمة موضحاً فكرة كتابه: “كُتبت النصوص اللاحقة بمعدل نص كل شهر لمدة سنتين تقريباً، وذلك بحسب ما كان يجدّ من أحداث. كنت أحاول في ذلك الوقت التفكير في بعض أساطير الحياة اليومية الفرنسية، وقد أمكن لمواد هذا التفكير أن تكون متنوعة جداً”.

تتنوّع الأساطير التي يتناولها بارت، وينطلق من عروض المصارعة الحرة التي بدأت تشغل وقتاً كبيراً من حياة الشباب. يحاول المؤلف أن يفكك العناصر التي تقوم عليها هذه العروض، مستعملاً بذلك المصطلحات والمقارنات بينها وبين العرض المسرحي.

هذه المقارنة تكشف عن دور المبالغة، حيث يبيّن كيفية المغالاة في رسم مشهد النصر أو الهزيمة، أو التعبير عن الفرح والألم. وتعتبر أن هذه الأحداث في حلبات المصارعة الحرة، تسعى إلى تقديم ما يشبه العرض المسرحي، الذي يحقق أهدافه بالتفاعل بين المصارع والجمهور، وقد يحصل التماهي بين المتألم وبين المتفرج، وبالتالي عيش تفاعل عاطفي وجداني يراه بارت أساساً في نشأة الفن المسرحي، وخصوصاً عند دراسة الخواص العاطفية لعروض التراجيديا الإغريقية في بدايات الفن الأثيني.

لا يخلو كتاب المفكر الفرنسي من التأمل والتنظير لموضوعة الكتابة والكاتب. وهنا يشرع بارت بالتنظير حول مهنة الكاتب من خلال التحدث عن “العُطل”، فيوضّح أولاً نشوء فكرة العطل بأنها “حدث اجتماعي حديث العهد، فقد كانت العطل في البداية حدثاً مدرسياً، ثم أصبحت منذ ظهور العطل المدفوعة الأجر، حدثاً بروليتارياً”.

ومن بعد ينتقل إلى الحديث عن العلاقة بين مهنة الكتابة والعطل، فيكتب: “ما يثبت فرادة الكاتب فرادةً رائعةً هو أنه في أثناء هذه العطل الذائع صيتها والتي يتقاسمها بروح أخوية مع عمال المصالح ومساعدي المتاجر، لا يتوقف من جهته عن العمل أو على الأقل لا يتوقف عن الإنتاج”، ومن هنا يرى بارت في الكاتب عاملاً مزيفاً، وبالتالي فإنه صاحب عطلة مزيّف.

وفي الحقيقة، لم يختر المؤلف موضوعة العطلة إلا لكي تمكنه من الحديث عن النظرة الاجتماعية للأدب وكيفية إنتاجه، فبحسبه، يرى الجميع “أنه من الطبيعي جداً أن يكتب الكاتب دائماً وفي جميع الأحوال، وهذا الأمر يجعل الإنتاج الأدبي يشبه ضرباً من الإفراز غير الإرادي، وبالتالي يجعله مقدّساً، بما أنه يفلت من قبضة الحتميات الإنسانية: وحتى نتكلم بشكل أكثر نبلاً، نقول إن الكاتب هو فريسة إله باطني يتكلم في كل الأوقات”.

ورداً على ما قامت به مجلة “هي” الفرنسية، التي حشدت سبعين امرأة روائية في صورة واحدة، وكتبت تحت كل منها تعريفاً بالروائية على الشكل التالي: جاكلين لونوار (ابنتان، ورواية واحدة)، مارينا غراي (ابن واحد، ورواية واحدة)، نيكول دوتراي (ابنان وأربع روايات)، كتب بارت بأن المجلة قدمت المرأة الأديبة وكأنها تمثل “نوعاً حيوانياً لافتاً” لأنها تلد فتنجب الروايات كما تنجب الإطفال.

وأضاف “أيتها المرأة كوني إذن، شجاعة وحرة، العبي دور الرجل، واكتبي مثله، ولكن أبداً لا تبتعدي عنه، عيشي تحت نظره، ليكن أطفالك عوضاً عن كتبك. جرّبي حلاوة النجاح في مهنتك، ولكن عودي بسرعة إلى وضعيتك. رواية ومعها طفل، شيء من النسوية ومعه قليل من الزوجية”.

يحلل أيضاً صاحب كتاب “هسهسة اللغة” عروض التعري المصنفة في فرنسا ضمن الرياضات، فيكتب: “عرض التعري يبنى على التناقض: نزع الصبغة الجنسية عن المرأة في اللحظة نفسها التي تتعرى فيها. وحدها المدة التي تقضي فيها نزع الملابس هي التي تجعل من الجمهور متلصصاً للنظر. سيكون لنا إذن في عرض التعري سلسلة كاملة من الأغطية وقد وضعت على جسد المرأة بينما هي تتظاهر بتجريده شيئاً فشيئاً. أما الديكور ولوازم مسرح المنوعات التقليدية فهي تبعد أيضاً في كل لحظة الجسم المكشوف، وتدفعه إلى داخل الرفاهية المحدقة بطقس معروف: ما يفعله الفراء، والمراوح اليدوية، والقفازات، والريش، وجوارب شبكة صيد السمك”.

أخيراً، نختار من “أسطوريات” رولان بارت تلك المادة المتعلقة بفيلم وثائقي يتناول الشرق، وهو يسعى عبر تناول هذا الفيلم إلى تحليل الصورة النمطية السائدة عن الشرق، التي يطلق عليها بارت توصيف “الأسطورة الراهنة ذات النزعة الغرائبية”، فيكتب عن تعامل البعثات الأوروبية مع الشرق: “الفيلم مرح، فكل شيء فيه سهل وبريء. مستكشفونا هم أناس طيبون يشغلون أوقات فراغهم بتسليات صبيانية مع الأطفال، فعلماء الأعراق لا تحرجهم البتة المشاكل التاريخية والاجتماعية. اختراق الشرق لا يعني أبداً بالنسبة إليهم أكثر من رحلة صغيرة في قارب، على البحر الأزرق في بلد مشمس”.

هكذا إذاً ينتقد بارت الطريقة التي تتناول فيها البعثات الدراسية صورة الشرق وكيفية تقديمه للمتلقي الغربي، يتابع “يُحرم الشرق من كل جوهر فيه، وتفصل روحه عن جسده من خلال بريق الصور. هو شرق مستعد لعميلة إخفاء سحرية يدخرها له الفيلم”.

هذه الاختيارات من موضوعات كتاب “أسطوريات” تعطي لمحة عن الموضوعات التي اعتبرها تشكل أساطير في حياتنا اليومية، وقام بتحليلها بناءاً على معطيات علم الاجتماع، واللسانيات، والسيميائيات، ومناهج بحثية أخرى جعلها في خدمة تفكيك اللغة التي تحيط بثقافتنا يومياً، ومن المواضيع الأخرى نذكر “عقل أينشتاين” والسيارات والإعلانات والسباقات والانتخابات.

كان قاسم المقداد، وقد أصدر هو الآخر ترجمة لهذا العمل، قد كتب: “لقد دلّنا بارت إلى أننا نعيش في عالم يغص بالمعاني. كأنه يقول لنا لا تعودوا إلى الماضي للبحث عن الأساطير، فللحاضر أساطيره، مثلما كان للماضي أساطيره الخاصة به”، وهو في ذلك محق.

Loading...