الصفحة الرئيسية

مواقف وطرائف .. ازْرَعْ كَوَّنْ

محمّد محمّد الخطّابي

هذا الشّخص غريب الأطوار الذي يبدو لنا في اللوحة الرّائعة المُرفقة للفنّان التشكيليّ المغربيّ المعروف أحمد بن يسّف، كان اسمُه الهاشمي البخاري، وكان معروفاً باسم (ازْرَعْ كوّن في الأمان) عاش في مدينة تطوان الفيحاء في الستّينيّات والسبعينيّات من القرن المنصرم، وعاش إلى حدود أواخر السبعينيّات، وتوفيَّ بها على الأرجح سنة 1977، كان يجوب شوارعَ تطوان وأزقّتها ودروبَها وساحاتها وميادينها، وهو يصطحب معه كلبته الصغيرة، ويحمل عوداً صغيراً مزركشاً في يده كأنه “عصا القيادة”.

وحسَب ما كان يُروىَ أو يُحكىَ عنه، أنه كان يردّد باستمرار قولتيْن اثنتين اشتهر بهما بين الناس، وصارت الألسن تلوكهما بدون انقطاع في المدينة وهما: (ازْرَعْ كوَّن في الأمَان) ومعناها (استكِنْ ولا تتحرّك في أمان) و(الله يآذي مَنْ آذانا..!) ومعناها (ألْحَقَ اللهُ الأذى بِمَنْ سبّب لنا الأذى).

حكايته مع قاضي المدينة

يشير الصّديق الأديب إدريس عفارة، في أسلوب سلس وعرضٍ آسر عن هذه الشخصية المثيرة التي يعرفها أهلُ تطوان وما زالوا يذكرونه بانبهار حتى اليوم، فيقول: “هناك أخبار وطرائف كثيرة تروج حول هذه الشخصية غريبة الأطوار (الهاشمي البخاري)، أذكر منها أنه ضُبِط ذات ليلةٍ وهو سكران سكراً طافحاً، وفي الصّباح قدّموه أمام قاضي المدينة فحكَم عليه بعقوبة سجنيّة نافذة، فقال مخاطباّ القاضي: إيوَا احكمْ الويسكي على الدومي (نوع من النبيذ الرّخيص) ! ومرة أخرى اعتقل لأنه سمح لكلبته بمهاجمة طفل، فلما وقف أمام القاضي وسأله عمّا اقترف، قال له الهاشمي: صلِّ على النبيّ، فصلىَّ القاضي على النبيّ، وأعاد عليه: صلِّ على النبي، فصلىَّ القاضي، وكرّر الهاشمي طلبَه للمرّة الثالثة، فاغتاظ القاضي، وقال له متذمّراً: أمَا من شغلٍ لدينا سوى الصّلاة على النبيّ ؟! فأجابه الهاشمي: أنتَ سئمتَ من الصّلاة على النبيّ لمرّاتٍ قليلة، فما بالي أنا والأطفال كلّهم ينادونني في الأزقة والشوارع طوالَ النهار: وا ازْرَعْ كَوّن !.. وا ازْرَعْ كوّن ! فكيف لا أغضب ؟! “.

دُونْ كِيشُوتْ والحَمَامَة البيضَاء

خلّد الصديق الكاتب إدريس عفارة كذلك هذه الشخصيّة في عملٍ أدبيٍّ مُقتضب تحت عنوان “أقصوصة الحمامة البيضاء” (والحمامة البيضاء، هو النّعت الذي تُنعتُ به مدينة تطوان) ولكنه عمل إبداعي رصين وبليغ، يحفل بالرّموز والأبعاد الأدبية العميقة الغور، يتأسف فيه السّارد على ما آلت إليه (تطوان) ويُسجّل فيه أنه كان في المدينة رجلان مشهوران أحدُهما يُشاهَد فيها دائماً مدللّاً مخمُوراً وهو الهاشمي البخاري المُلقب بـ(ازرَعْ كوّن)، والآخر هو (سيدي مفضّل) كان من المجاذيب مشهوراً؛ وأنهما اقتسما مناطق نفوذ المدينة فلا يكاد يتجاوزها أحدهما. ونقتبس في ذات السّياق غيضاً من فيض من هذه الأقصوصة الطريفة منها: “ترجَّل الدُّونْ كيشُوت عن فرسه الأعجف، وقفز سانشو من فوق حماره، وأسرع إلى لجام “الروثنانتي” (اسم حصان دُونْ كيشُوت) ليقود الدابتيْن إلى فندق بزنقة المقدّم، ويعود على عَجل، فيخاطبه الفارس آمراً – هيّا يا سانشُو، علينا باسترداد “دولثينيا” (خطيبة دون كيشوت) من يد القراصنة الأوغاد”، إلى أن يتعرّض السّارد لشخصية (الهاشمي البخاري) فيقول: “أتذكُرْ يا فارس الزّمان، يوماً في المدينة كان، كلب برفقة رجل مدلل سكران؟ لقبُوه، “ازرَعْ كوّانْ” أتذكرْ مجذوبيْ المدينة؟ كانا وحيديْن، اقتسما مناطق النفوذ، واختلفت عليهما الوفود، بالله عليك يا دُونْ كيشُوت، قلْ لي كم صادفتَ في البلد من مخمور؟ وكم بها من معتوه مغمور، ومجنون مقهور، ومستشفى مهجور؟”. وبعد أن وقف دُونْ كيشُوت متألماً متأمّلاً أمام زاوية مولاي عبد القادر قال: “– إيه عبد القادر، لقد صرتُ في خبر كان وأخواتها، أمرّ أمام الزاوية خجولاً مطأطأ الرأس كثوْرٍ عجوز، أو قلْ كبقرة لاحظ لها من الثورية، لازلتُ كديدني أصارعُ طواحينَ الهواء، أضحك من نفسي على نفسي، لكنه ضحك كالبكاء، وأتألم وما لجرحٍ بميتٍ إيلام”.

ازرَعْ كوّنْ وأوسمتُه ونياشينُه

ويحكي لنا الصّديق الشّاعر الرّقيق الأستاذ أحمد الطود من جهته حكايته الطريفة مع هذه الشخصية الغريبة في مدينة تطوان العامرة فيقول: “كانت الجماهير التي غصّت بها جنبات الشّارع الرئيس في تطوان تنتظر انطلاق استعراضات فاتح ماي سنة 1967، وفجأة مرّت سيارة مكشوفة يجلس في مقعديْها الأمامييْن شابّان، أمّا مقاعدها الخلفية فقد احتلها رجل ضعيف البنية يرتدي لباسَ جنديٍّ إسبانيّ وُشِّح صدرُه بنياشين وأوسمة مختلفة الأشكال والألوان، وكان يحرّك يده مُحيّياً الجماهير التي ردّت تحيته بأجمل منها تصفيقاً وهتافاً. كانت تلك هي المرّة الأولى التي أرىَ فيها شخصية نادرة يحمل صاحبها لقب “ازْرَعْ كَوَّنْ”.. ! ويضيف: “كُتب لي أن أراه ثانيةً وهو يتبادل سباباً عنيفاً مع شاب تطواني اللهجة حين سمع “ازْرَعْ كَوَّنْ ” ينعت أمّه وأخته نعتاً نابياً قاسياً لم يتردّد في الهجوم عليه، فأسقطه أرضاً وأشبعه لكماً ورفساً ثم تركه يتضوّر ألماً وانصرف هارباً كان منظرُه مؤلماً رحمه الله”.

قصصٌ طريفة وحكاياتٌ غريبة

ترى الأديبة الصديقة نادية ولد عليّ في هذا الخصوص “أنها لا تجد الكلمات المناسبة للتعبير عن طرافة وغرابة القصص والحكايات التي كانت تسمعها عن هذه الشخصية غريبة الأطوار نظراً لحبّها العميق لمدينتها تطوان الجميلة، وشوقها واشتياقها إليها بعد ثلاثين عاماً من الغربة. حيّ الملاّح التطواني، وشخصية (ازْرَعْ كوَّن في الأمَان) على وجه الخصوص تذكّرها بقصص أمّها وجدّها حول المكان وتاريخه العريق. إذ كان جدّها رحمه الله تاجراً بالجملة في الملاّح في ميدان المُكسّرات، وكان له دكاكين هناك، وله بالطبع أصحاب وزملاء يهود يتعايشون جميعاً باحترام وسلام، ويتقاسمون قصصاً ومغامرات رائعة”. وتضيف الأستاذة نادية في أسلوب عذب: أنّ والدتها كانت تتردّد بكثرة على هذا الحيّ، وتلعب فيه كطفلة حيث سجّلت في ذهنها العديد من الذكريات الحُلوة، والطرائف العجيبة كقصة هذه الشخصية الغريبة؛ شخصية “ازْرَعْ كوَّن” المثيرة وكلبته الوفيّة (لايكا أو تروسكي). هذه الشخصية الأسطورة التي كانت مشهورة بين أهل تطوان كان لا بدّ أن يُقام بحث حولها، وأن تدوّن قصة حياة هذا الرّجل ومغامراته في كتاب شيّق يقصّ على الأجيال القادمة تاريخ نشأة هذه الأيقونة التطوانية وعلاقتها بالمخزن، وبالقصر الخليفي بتطوان. كما أنّ مغامرات “ازْرَعْ كوّن”، وحِكَمه، ومقولاته الذكيّة أشهر من نار على علم، وعليه كان لا بدّ أن تُدوَّن كلها لكي لا تصبح يوماً مّا عرضة للنّسيان فلهذه الشخصية الفريدة قيمة إضافية كبيرة إلى تراث الحمامة البيضاء تطوان الفيحاء”.

الهاشمي في رواية “المصري” لأنقّار

ويذكّرنا من جهةٍ أخرى من جانبه الأديب الزميل مصطفى الزين: “أنّ صاحب رواية ( باريو مالقة) الراحل الأديب القاصّ والروائي الدكتور محمد أنقار رحمه الله تعرّض في روايته الأولى “المصري” لهذه الشخصية الغريبة (ازْرَعْ كوّن)، كما تعرّض لبعض المَجّانين، والمجاذيب، وأولياء الله الصّالحين الآخرين في مدينة تطوان، وسجّل في هذه الرّواية بعض طرائفهم وبعض الكرامات التي كانت تنسب إليهم ، أو يعتقدها فيهم أهلُ تطوان”.

ونختم هذه الجولة من الانطباعات، والارتسامات مع الكاتبة وئام العمري التي تقول متأسّفةً ومُتحسّرةً على الأيام التي مضت، وانقضت، وولّت، وذهبت لحال سبيلها التي عاشتها هذه المدينة ذات الطابع الأندلسي الأصيل، فتقول: إن القصص والحكايات التي تُحكىَ، وتُنسَج، وتُحَاك حول هذه الشخصية الغريبة (ازْرَعْ كوَّن) لهي قصص طريفة، ولكنّها طفقت تمّحي من الضمير الجمعي لهذه المدينة الغراء، هذه القصص والحكايات تعود بنا إلى الزّمن الجميل، والعهد العليل، وتعيد لنا ذكرياتٍ لا تُنسى عن الأيام الخوالي التي عاشها التطوانيّون، حيث كانت المدينة مدينة، وكان الكلّ “يزرَع ويكوّن”.

الهاشمي واليهودي “بَامِي”

هذه الحكايات الطريفة، والمُستملحات التي تُحكىَ عن المرحوم (ازْرَعْ كوّن في الأمَان) كان أهل تطوان يعرفونها في الواقع، إذ كان الناس يسمعونها ويتندّرون بها وهم ما زالوا صغاراً غضيضي الإهاب، في شرخ الشباب وريعان العُمر، كانوا يرون هذه الشخصية المثيرة تمرّ أمامهم مترنّحةً في ساحة “الفدّان” الكبرىَ (عندما كان الفدّان فدّاناً وكان قلبَ المدينة النابض!)، كانوا يرونه في شارع “سانشي” وهو الشّارع الرئيسيّ الفسيح بالمدينة الحديثة التي بناها الإسبان على شاكلة مدينة غرناطة الحمراء، كانوا يرمقونه كذلك وهو يذرع دروب وأزقّة حيّ الملاّح وهو (حيّ ساكنة اليهود المغاربة بالمدينة) الذين كانوا يعيشون في تطوان، وهو ينطلق من جانب “باب الرّواح” عند مدخل الفدّان وصولاً إلى السّويقة بجانب زقاق ضيّق للغاية يُسمّى “سْبَطْ الدَّايِز” الذي كان كثيراً ما يذكّرهم ولا شكّ بـ”زقاق المدقّ” في رائعة نجيب محفوظ، وفي بعض الأحيان كانوا يرونه واقفاً بجوار دكان مواطن تطواني يهودي بشوش يوجد في مدخل الملاّح على اليمين، كان يحبّ البسط، خفيف الدم، غليظ الجسم، جاحظ العينيْن، تغطّي أمَّ رأسه الأصلع (بيرّيتا) أو (بيريه) صغيرة جدّاً (قبّعة اليهود) التي تكاد تخطئها العيْن، ولم يكن يعرف الناس من أين يدخل أو يخرج هذا اليهودي (من وإلى) دكّانه، إذ لا يُرىَ له مدخل ولا مخرج، اهتدى زبائنه فيما بعد إلى أنه ربّما كان يدخله من فوهة (نقبة) في الحائط الخلفي للدكّان التي كان يسدل عليها ستاراً سميكا أسود اللون، وهذه الفوهة لا بدّ أنها كانت تفضي إلى داخل منزله..! كان اسمُه على ما أذكر (بامي) وكان يبيع كلّ أنواع اللبّ والزرّيعة والحمّص واللوز وجوز الكاجو والذرة وعيْن الجَمَل (الكركاع) وجوز الهند وحَبّ اليقطين (زرّيعة القرع الأبيض) والترمُس، وchufas (مكسّرات النمر)، وتشكيلات من مكسّرات الفواكه الجافّة المتنوّعة الأخرى أيّ ما كان يُطلِق عليه أهل تطوان الأبرار(قاشقشة).

وفي بعض الأحايين الأخرى كان أهل تطوان يرَوْنَ في ذلك الزّمن الغابر البعيد شخصية تطوانية أخرى غريبة الأطوار من المجاذيب كان يعيش في ذلك الإبّان، ذَكرَه الصّديق المشمول برحمة الله الأديب محمد شقور في إحدى مجموعاته القصصية المكتوبة باللغة الإسبانية بعنوان (المفتاح ونبضات الجنوب ) ( La Llave y Latidos del Sur )، كانت تلك الشخصية تُسمّى (شُوبِيرَا) على ما أذكر، وكان – حسب ما يُرْوىَ عنه – أنه كان ذا شعر طويل مسترسل على ظهره، وكانت تنزل على ذقنه لحية كثّة تتخللها خيوط من الشّيب المُفضّض الباهت، كان مَعيباً عند البعض ووقاراً عند آخرين !، وكان هذا المجذوب يرتدي أسمالاً بالية ممزّقة، ومن عاداته الغريبة التي كانت تثير اهتمام وفضول المارّة أنه كان يقف في باب الملاّح بجانب (باب الرّواح) وهو يشير إلى داخل الملاّح ثمّ ينظر في اتّجاه الفدّان ويقول غاضباً في حنَقٍ ومَضَضٍ بصوتٍ جهوري مبحُوح للناس وللأطفال الذين كانوا يعاكسونه ويلتفّون حوله: تفووووو..هادُوا عَادْ غَادِي يجِي واحد النّهار وِيحَكْمُوا عليكم….! أيّ ما معناه: “أنّ هؤلاء سوف يأتي يومٌ ويحكمونكم “..! والله أعلم.

*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا.

Loading...