الصفحة الرئيسية

فزّاعات غيّرت جلدها

عائشة بلحاج

يمكن أن نُشبّه منظمة الصّحة العالمية بالحارس الذي وُضع على البرج ليراقب أعداء لم يكونوا محتملين، لذا غفا على نحوٍ دائم داخل برجه في أعلى جبل في القرية، ولما جاء الغزاة لم يُنبّه أهلها، فسرقوا ونهبوا وأحرقوا البيوت، وهو نائم. بعد أن لملم النّاجون أطرافهم، صبّوا جام غضبهم عليه، فصار يسهر ليل نهار على حراسة القرية، وبمجرد أن تتكثّف غيمة في الأفق، يصيح في النّفير مناديًا إلى الحرب.. فيهرب الأطفال والشّيوخ ويقف المحاربون طويلًا على الباب، ولا من غازٍ أو ناهب.. لقد جُنّ نافخ النفير.

نذكر جميعًا انتظارنا لمنظمة الصحة لتعلن كورونا وباء عالميًا، وكم استغرقها من وقت لتفعل. والآن تمطرنا ببلاغات وتهديدات وتحذيرات حوّلت حياتنا إلى كتلة استنفار مستمر، وكأنّنا نعيش حرفيًا على سفح جبل، في قرية صغيرة معرّضة لكل خطر يحيق بالبشرية؛ الفيضانات، العواصف، الغزاة، الأوبئة …

في اجتماعاتها الماراثونية الأولى، ترّددت المنظمة في الإفتاء بضرورة الإعلان عن “كوفيد 19” وباء عالميا، بالنّظر إلى سوابق أخرى أعلنت فيها حالة التأهّب، ولم يكن الوباء بنفس الخطورة، لذا بقيت تؤجّل الأمر إلى أن ارتفع عدد الحالات وانتقل الوباء بين دول عديدة، وأصبح بإمكان أيّ شخص في العالم أن يستنتج خطورة الوباء على ملايير البشر الذين يقيمون في هذه القرية الكونية الصغيرة.

وهكذا أعلنت في اجتماعها أنّنا بلغنا درجة الوباء العالمي.

فهل منظمة الصحة بصحة جيدة، تمكنها من إدراك خطورة مواقفها؟ أو أنّها تلتزم بأن تعمل ضدّ الغرب، بتكذيب تطمينات السّاسة الغربيين ووعود شركات الأدوية، بما أن الصّين من تَحمَّل نصيب أمريكا التمويلي بعد أن نفضت هذه الأخيرة يدها منها؟

“الصحة هي حالة من اكتمال السّلامة بدنيا وعقليا واجتماعيا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز”. هكذا تُعرّف المنظمة الصّحة. فماذا عن الحياة؟ يتحدّث الفلاسفة عن معنى الحياة حين يشرحون المصطلح؛ فالحياة فلسفيا هي أن يكون لها معنى، وفي غياب المعنى لا حياة هناك. فيما يرى آخرون أنّ “الحياة هي مجمل النّشاطات التي يقوم بها الإنسان خلال يوميّاته، وتُثبت وجوده على الأرض”، و”أنّ الحياة هي شعور الفرد واتصاله، بكل الأشكال والمظاهر الموجودة على سطح الأرض. وإن توقف اختلاط المرء بالناس أحيانًا، قد يُشعره ذلك بفقدان الحياة أو الإحساس بها”. فهل منظمة الصّحة وغيرها من المنظمات القطاعية الدولية أو الإقليمية حيّة من ناحية وجود المعنى لاستمرارها، وتحقق الإدراك الكامل لهذا الوجود، بحيث تترجمه بتصرّفات تُحقق الهدف من إنشائها؟ أم أنها مجرد فزّاعات تقف على الأبراج متظاهرة بالحياة؟

لا تقف منظمة الصّحة وحدها أمام سؤال الجدوى من وجودها، بل ترافقها باقي المنظّمات الدولية والإقليمية، التي تحوّلت إلى ما يشبه فزّاعات “لا تهشّ ولا تنش”؛ وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن… وهذا النّقد جاء من داخل المنظمة نفسها التي تشكل جزءًا من هياكل الأمم المتحدة، حيث أكدّت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة هيلين كلارك، رئيسة الهيئة المستقلة للتأهّب للوباء والاستجابة لها، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، أنّ تسبّب العدوى في الانهيار الاجتماعي هو أكبر أخطار كورونا وأسوأ مخاوفها.

واعتبرت أنّ جائحة كوفيد -19، التي تسبّبت بالفعل في دمار اقتصادي واسع النّطاق، تثير مخاوف كبيرة تتعلق بالسّلام والأمن. وأنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يتمكن حتى الآن من التوصّل إلى قرار يعلن أنّ كورونا يمثل تهديدًا للسلام والأمن العالميين، كما فعل مع تفشّي فيروس إيبولا في عام 2014، مؤكّدة أن مثل هذا النوّع من القرارات ضروري لمنع المخاطر الأمنية. وأشارت كلارك إلى أنه “عندما تُقابَل الشكاوى بالقمع، بدلاً من التّفاهم من جانب الحكومات، يمثل ذلك خطرا متزايدا من الانهيارات الدّاخلية”، التي تمتد لتشكل تهديدًا لأمن الدول المجاورة، بسبب لجوء الهاربين إليها.

أين الأمم المتحدة ممّا يحدث في العالم الآن؟ ودولها الأعضاء تعيش في جحيم، كأنّ من يحكم العالم عصابات دموية تتقاتل في بلدان تعيسة الحظ؛ العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، وغيرها من البلدان التي تحولت إلى ساحات خلفية لصراعات عصابات دولية تقف على شكل دول بعيدة أو قريبة، من دون أيّ احترام لمنتظم دولي يُفترض به حماية الدّول والشعوب الضّعيفة من عصابات النّينجا التي تحوّلت إليها دول أخرى؛ أين القانون الدولي الذي عطّلته الظروف الطّارئة، حين سرقت دول كبرى شحنات كِمامات ومِحرارات اشترتها دول أخرى؟

هذا القانون الذي وقف عاجزا في أوّل أزمة دولية شاملة، منذ الحرب العالمية الثانية، التي خرجت معظم المنظمات الدولية إلى الوجود بعدها، لملء الفراغ الذي تركته الإمبراطوريات، وتهدئة خوف العالم من الفوضى مع التشتت واستقلال وتفتت الدول، الآن بعد أن فقدت الكيانات فعاليتها، وعاد الفراغ كثيفًا، ماذا بعد الحداثة السياسية؟ هل ستتحقّق مخاوف منتصف القرن الماضي، وتأكل الدول الكبرى لحم الدول الضعيفة؟

قبل المنظمات الدولية، كانت المنظمات الإقليمية الأسبق إلى الموت الاكلينيكي؛ ففي خضم ما يحدث من تطبيع مع إسرائيل، بحث العرب عن الجامعة العربية، وكان بحثهم مفاجئًا لكونهم يسألون عن مؤسسة تحولت إلى فزاعة صامتة منذ عقود، بينما سقط هذا الاسم من ذاكرة معظمنا، وظنّوا أنّها لم تعد قائمة على الأرض، وليس لها أمينا عاما وموظفين وأجهزة. ثم يا للمفاجأة! يكتشفون أنها لاتزال قائمة هيكليا، لأن لا أحد امتلك جرأة إطلاق رصاصة الرّحمة عليها. مع الشكّ الكامل في أن يأتي يوم يحتاج فيه الناس لهذه المؤسّسة، التي لم تُجِد سوى دور الفزّاعة في أفضل أيامها، زمن شعارات العروبة واللّاءات الثلاث وتهديد الكيان الغاشم، الذي تسارع هذه الدول إلى الارتماء في حضنه الآن.

هناك منظّمات أخرى اختفت من خارطة الحياة ودخلت زمن الفزّاعات؛ من قبيل الكيانات السّياسية الإقليمية كاتحاد المغرب العربي… لذا حين يواجه أحدنا شخصًا يقول إنّه الأمين العام للجامعة العربية، أو الاتحاد المغاربي، لابد من أن يضحك طويلًا، ويتساءل هل مازالوا على قيد الحياة؟  لقد خلناهم دخلوا الكهف وينتظرون أمر ربهم. هذا ما حدث معي، على الأقل، حين وجدت نفسي في ندوة وجها لوجه أمام الأمين العام لاتحاد المغرب العربي التونسي الطيب بكوش، وقلت له بعفوية متسرّعة: هل مازالت هناك مؤسّسة بهذا الاسم؟ ظننت أنها انحلّت! وكانت لحظة دالة لن تنمحي من الذّاكرة بسهولة.

Loading...