من أجل تطهير مهنة الصحافة وتقوية تنظيمها الذاتي

ربيع الرايس

تتعرض مهنة الصحافة، تلك المهنة النبيلة التي يفترض فيها أن تكون حارسة للحقيقة ومراقبا معنويا للسلطة، لهزة عميقة تقلل من اعتبارها. إن ما نشهده اليوم من جدل صاخب حول المهنة والهيئات المؤطرة لها، ينبغي أن يكون نقطة تحول نحو تنظيم ذاتي احترافي، لا ساحة لتصفية حسابات أو حملة سياسية عابرة.

فالمبدأ الأساسي الذي يجب أن يحكم أي إصلاح في قطاع الصحافة هو أن التنظيم الذاتي للمهنة خاص بأهلها المهنيين (قانون 89.13)، هؤلاء الذين يحملون بطاقة المهنة ويمارسونها وفق الأطر القانونية المعمول بها هم الأجدر بصياغة قواعدها وتحديد مسارها. يجب أن نتجاوز مرحلة “المزايدات” و”حب الظهور”، وكل رغبة في الهيمنة والاستحواذ التي غالبا ما تشوش على النقاش الجوهري.

يتوجب الحضور لدعم أي خطوة منظمة في إطار قانوني تهدف إلى تحصين المهنة، ولكن ما عدا ذلك يُعتبر عبثا يتطلب حزما مهنيا عاجلا. لا يمكن السماح بـاختطاف المهنة وجعلها رهينة لأشخاص لا يمتلكون أي علاقة قانونية بمهنة منظمة قانونا. هذا الانفلات يُلحق الضرر بمصداقية الصحافة ككل.

لقد أصبحت مهنة الصحافة، كما يقال بالعامية، “مترعة” أي مفتوحة لمن هب ودب. هذا الوضع غير المنظم جعلها تفقد قدرتها على حماية نفسها ووضع خطوط حمراء واضحة للداخلين إليها. عندما يصبح الجميع صحفيا بلا ضوابط، تفقد الصحافة الحقيقية قيمتها ونفوذها، وتصبح عرضة للاستغلال من أصحاب المصالح أو الأجندات غير المهنية.

نتمنى أن يصب الجدل الحالي حول المهنة إلى رد الاعتبار لها وتحصينها. وأن يكون الهدف هو الارتقاء بالمعايير المهنية والأخلاقية، وتطهير الساحة من الدخلاء الذين يشوهون صورتها. ولن يتأتى هذا سوى بوجود تنظبم مهني احترافي محكم بعيدا عن الحزازات السباسية والمصلحية الضيقة. التي سيكون ثمنها هو مستقبل فئة المهنيين الذين يكافحون من أجل تقديم عمل إعلامي محترف ومسؤول.

تحصين مهنة الصحافة يبدأ من نقطة واحدة: تفعيل التنظيم الذاتي المؤطر بقانون صارم وشفاف، وبممارسة احترافية ذاتية غير متعالية ولا مهيمنة.

على الفاعلين المهنيين أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية، وأن يضعوا حدا للفوضى الحالية. فمهنة الصحافة ليست ملكا لأحد، بل هي مصلحة عامة يجب حمايتها بـقانون وأخلاق مهنية لا تقبل المساومة.

Loading...