المعرض الجهوي

عن نص”ترحيل ابن رشد” لعبد الفتاح كيليطو

يوسف خليل السباعي

في نص “ترحيل ابن رشد” يتحدث عبد الفتاح كيليطو عن “تحرك موكب جنائزي من مراكش في اتجاه قرطبة” تحديدا في شهر مارس 1199م. النص لمن أراد أن يطلع عليه موجود في كتابه “لسان آدم” الصادر عن دار توبقال للنشر (الطبعة الثانية، 2001)، والذي ترجمه عبد الكبير الشرقاوي.

كتب كيليطو أن الموكب” سار طوال أيام وأيام عبر الجبال والوديان حتى البحر المتوسط، ثم، بعد أن قطع المضيق، تابع سيره البطيء والشاق حتى عاصمة الأندلس. هناك دفنت جثة، جثة ابن رشد”. وذكر كيليطو أن هذا” دفن ثان، لأن الإمام دفن شهورا قبل ذلك، في مراكش، هو الذي كان يتأرجح بخصوص حشر الأجساد”. فابن رشد والحالة هذه قد أخرج إذن من القبر ورحل إلى المدينة التي ولد بها، ويقصد كيليطو قرطبة، طبعا، ولكن المهم في كل هذا أن جثة ابن رشد في ” مسيرتها نحو الشمال, جعلت على أحد جانبي الدابة، وتعادلها في الجانب الآخر مؤلفات الفيلسوف ذاتها”. ويستشهد كيليطو في هذا النص بخصوص هذا المسير الدفن إلى حضور شاهد على الترحيل، لأنه لولم يكن شاهد على ذلك لما عرفنا أي شيء عن قصة الترحيل هذه لجثة ابن رشد ومؤلفاته أو كتبه، ويتعلق الأمر بالصوفي ابن عربي الذي، كما كتب كيليطو ” أبد الذكرى في الفتوحات المكية، وهوكتاب ذائع الصيت لابن عربي، يقول ابن عربي:” ولما جعل التابوت الذي عليه جسده (ابن رشد) على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير، كاتب السيد أبي سعيد( الأمير الموحدي)، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج، الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال:” ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله _ يعني تواليفه!،- فقال ابن جبير: ياولدي، نعم، مانظرت! لافض فوك! فقيدتها عندي موعظة وذكرى”.

وبعد الحديث عن أشياء قد يعرفها البعض وقد يجهلها أو يتجاهلها البعض الآخر، لأن كل واحد ينظر إلى ابن رشد بطريقته، وحرق كتبه الفلسفية بالأوامر السلطانية واضطهاده بسبب أفكاره وتعرض لحكم الناس وحال توازن الجثة(“هذا الإمام وهذه أعماله”) يصل كيليطو إلى نقطة هامة تتعلق بالمكتبة المشائية التي سيكون مصيرها في يد اللاتنيين، بمعنى أن المستفيدين من فلسة ابن رشد كانوا اللاتنيين الذين احتضنوها واستوعبوها جيدا.

كتب كيليطو إن” جثة ابن رشد ستدفن في قرطبة، لكن الكتب ستتابع السفر. وهذا الأهم ستترجم إلى العبرية، ثم إلى اللاتينية ووجودها سيطبع بقوة النقاش الفلسفي حتى القرن السادس عشر”.

نعرف جيدا أن ابن رشد كان الشارح العظيم لأرسطو، إلا أن مايبتغي الوصول إليه عبد الفتاح كيليطو في نصه” ترحيل ابن رشد” ليس هو فقط ترجمة ابن رشد إلى العبرية واللاتينية حيث استثمر فكره، أو(أفكاره) وفلسفته الآخرون، وأضطهده من ينتسب إليهم، ولكنه يبتغي الوقوف عند نقطة جوهرية تتعلق تحديدا بتعامل ابن رشد مع ترجمته كلمتي: تراجيديا وكوميديا الموجودتين في”فن الشعر” لأرسطو، وذلك بترجمة تراجيديا بمديح وكوميديا بهجاء، بعد أن كان ابن رشد قد اطلع على هذا المؤلف عبر الترجمة العربية لأبي بشر متي (القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي). وهذا، على وجه التحديد، يعني أن ابن رشد لم يكن يعرف سوى العربية، وليس لغات أخرى، فهو، وأعتقد هذا ماذهب إليه كيليطو، ولو أنه لم يصرح به في نصه، فابن رشد استعان بترجمة متي، وهذه مسألة فيها نظر، لأن الكتاب الأصلي لأرسطو لم يكن متوفرا لابن رشد.
والحالة هذه يسجل كيليطو على ابن رشد الغلط الذي ارتكبه بخصوص هذه الترجمة الرشدية بكلمتي تراجيديا وكوميديا. يقول كيليطو:”… وبسبب هذا الخطأ الأولي كان محكوما عليه بالغلط من أول مؤلفه إلى آخره، وأن يهيم في متاهة لامفر منها ولامخرج”. هناك حكاية يذكرها صاحب كتاب” لسان آدم” بخصوص هذه المتاهة، وهي حكاية بورخيس” بحث ابن رشد” في ” المرايا والمتاهات”، التي ترجمها إبراهيم الخطيب، الصادرة عن دار توبقال للنشر( 1987).

لقد كان ابن رشد” يجهل كل شيء عن الأدب اليوناني، فشرع في فهم فن الشعر من خلال ماكان يعرفه عن الأدب العربي”، بمعنى أن ابن رشد قام بعملية إسقاط الأدب العربي على الأدب اليوناني دون أن يدرك معنى الاختلاف الموجود بينهما، غير أنه كان ” واعيا بالمقاومة التي يواجه بها نص أرسطو، في الوقت الذي كان يبحث في فن الشعر عن ” القوانين الكلية ( للشعر) المشتركة لجميع الأمم”. ( ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، ضمن د. عبد الرحمن بدوي، فن الشعر، بيروت، الطبعة الثانية،1973، ص. 201)”.

إن معضلة ابن رشد، برغم أنه كان واعيا بهذه الصعوبة في الترجمة، هو أنه لم يكن على دراية كافية بالأدب اليوناني (خاصة المسرح اليوناني)، أي كما يقول كيليطو:” كان أمام خصوصية اليونان، ينكفئ إلى خصوصية العرب”، بمعنى أن دماغ ابن رشد كان عامرا بأبيات من الشعر الجاهلي وآيات قرآنية، ولم يستطع، في نظري، أن يتخلص من سطوة الشعر العربي عليه، فلم ” يكن قادرا على تصور شعر آخر”، ولم يكن له أي ” فكرة” عن “التمثيل المسرحي”.

وكعادة كيليطو في كتاباته ونصوصه، فإنه دائما يجعل القارئ يسافر معه، ويفكر في النص الذي أمامه بذكاء، وفي بعض الأحيان، يراوغ…،- ليصل إلى الهدف، أي لما كان يبتغي الوصول إليه، وقوله، تاركا للقارئ فسحة للتأمل والتفكير والاندهاش والا ستمتاع، حيث يقول:” واليوم يحدث أحيانا أن نجد أنفسنا نتخيل ماكان سيكون عليه الأدب العربي لو أن مؤلف أرسطو كان قد ترجم ترجمة “صحيحة” فتوجه الاهتمام على أثره، إلى إسخيلوس، وسوفوكليس، وأوريبيدس، وأرسطوفان. إن بعض أولئك الذين لا يستطيعون التأسي عن الحنين إلى الماضي يؤسفهم أن لم يستطيعوا استعادة التاريخ ثانية. يقولون لو أن العرب قرؤوا جيدا، منذ البداية، فن الشعر، لكان مظهر أدبهم، وربما حضارتهم، مختلفا، أي نفهم أنه سيكون يونانيا. والحال أن مثل هذا القول ليس فحسب مجانيا، بل هو أيضا غير لائق، بل أشبه بقتل الأسلاف: إنه يجرد الإنتاج الثقافي العربي من قيمته، فيعتبره ضمنيا معيبا، ناقصا، لامجديا، إنه يجحد بلاقيد ولاشرط عشرة قرون من الأدب العربي”.

وفي الختام، يستشهد عبد الفتاح كيليطو بهذا الحكم:” في رواية يوليسيز لجيمس جويس، نقرأ الحكم الآتي (بخصوص شكسبير):” الرجل العبقري لايرتكب أخطاءه، أخطاؤه إرادية وهي بوابات الا كتشاف”. James Joyce, Ulysse, Le livre de poche,182. لينتهي إلى القول إن ” دفن ابن رشد لم ينته بعد”. وبهذا المعنى، فإن تواليف ابن رشد، أي أعماله، لاتزال قابلة لقراءات شتى، لقيمتها، ومفتوحة على الاكتشاف، وهذا، في اعتقادي، ماذهب إليه كيليطو، ذلك لأن الأفكار لها أجنحة…

Loading...