خالد البقالي القاسمي
عنوان الأبواب السبعة لم يكن كافيا بالنسبة للمؤلف لكي يعبر عن الذي كان يرومه من روايته، فأضاف إليه من أجل تدعيمه وتثبيته عنوانا ثانيا مرتبطا بالقمر الذي وصفه بالمحجوب، ويبدو أن الأمر يرتبط بالرواية المتناثرة والمنبثة بين جنبات وزوايا أبواب المدينة السبعة، عن طريق توظيف القمر في صورته المحجوبة للدلالة على سقوط الأقنعة، وانهيار الأحلام، وتصدع الطموحات المشروعة، لأن القمر في الرواية يصير محجوبا متواريا لكي يحجب الأسرار العصية على التطويع.
توحي الرواية بأنها استكشافية بامتياز، لأن موضوعها لم يتم الاشتغال عليه بكثرة من طرف الروائيين المبدعين، ولذلك كان الكاتب يحاول أن يثبت أولى بصماته الخاصة حول هذا الموضوع، توزعت الرواية حول الأبواب، في كل باب حكاية، فيصبح بذلك تاريخ الأبواب منتجا للحكايات التي تتناسل حسب توالي الأحداث: 1- باب المقابر (عودة بنيامين إلى القدس الصغيرة). 2- باب السفلي ( الخادمة شامة). 3- باب الصعيدة (المفاجأة). 4- باب العقلة (غذاء الروح). 5- باب الرموز (وجه سهيلة). 6- باب النوادر (المؤامرة). 7- باب التوت ( بنيامين في كاراكاس).
تعتبر الكتابة بهذه الأبواب احتفاء كبيرا بمدينة تطوان، ولذلك كانت الرواية وثيقة للوصف والتعريف بالمكان، أي مدينة تطوان وأبوابها وأحيائها، لقد شكل المكان صدارة السيادة في الرواية حيث تمكن من اختراق حياة الشخصيات، ويعود الأمر حسب أحداث الرواية إلى العلاقة الحميمية جدا التي تربط السارد بالمكان، فهو يحتفي به كثيرا، حيث رغم معرفته بالأماكن فإنه يذكرها وكأنه يتعرف عليها لأول مرة، ويصفها بدقة ومتعة، مشبها بعضها بأجواء روايات قرأها، ويدل هذا على انصهار السارد في المكان نفسيا ووجوديا وماديا حتى يبدو للقارئ وكأنه أصبح سيد المكان، والغريب أن في الرواية إثباتا لوجود المكان واندثاره في نفس الآن، حيث تطوان منفتحة على جميع الجهات بأبوابها السبعة المرحبة بالجميع بجودها وكرمها، وفي نفس الوقت هي ضاجة بأهلها، ضيقة بكثرتهم وتعددهم غير النافع، وذلك عندما تصبح تطوان سوقا كبيرة مفتوحة، فيصيب المكان جرح غائر، ويتحول المكان في تطوان إلى صيغة إبداعية تتمدد وتنفتح في تشكيل الأحداث.
يحق لنا أن نتساءل كيف يبرمج النص شكل تلقيه؟ بمعنى آخر كيف رسم الكاتب يوسف السباعي عناصر إقناعه للمتلقي بروائية نصه وقدرته على إدهاش متتبعيه؟ في هذا الصدد يمكننا أن نتحدث عن المكان والزمان والشخصيات والأحداث… والقدرة على صنع المغاير بواسطة هذا الخليط المثير، إذ بالإضافة إلى إشارتنا أعلاه بأن الرواية ذات طبيعة استكشافية فإنها تصنف ضمن ما يصطلح عليه بالرواية ذات البنية الثنائية، حيث تتوزع شخصيات الرواية بين الخيرة والشريرة، وهذا هو الحاصل في النص المستهدف، والمفروض أن القارئ يؤمن بهذه المصادرة، ويسايرها، ويبني عليها قناعاته، وهذا الإقتناع بدوره يكون بواسطة الانتقاء، إذ لا يتساوى جميع القراء في التعامل مع النص الروائي، وكأن المبدع ينتقي قراءه الذين سوف ينساقون معه في طرحه الروائي، وهذا يجرنا لإثارة موضوع المروي له، وهنا تظهر ” شامة ” الخادمة من قبيل الشخصيات المروي لها من طرف سارة، والراوية لبعض الشذرات لغيرها في الرواية لأنها لا تعرف الحقيقة الكاملة، أو على الأقل لم تساهم أو لم تتم مشاركتها في إبرامها، إن ” شامة ” الخادمة هنا مروي لها داخلية، والقارئ الواعي المتأمل جيدا في أحوال شامة وغيرها من شخصيات الرواية مروي له خارجي، في رواية يوسف السباعي هناك كثير من المروي لهم، بمعنى أن الشخصيات تروي لبعضها البعض، لأنها تلم بالأحداث، أو ببعضها على الأقل،أو تصنعها، أو تعتقد ذلك، لأن الأصل أن العالم الذي ينشئه النص الروائي عالم ناقص، والموضوع يعود برمته إلى أن كثافة الشخصيات لم تكن في مستوى كثافة الحكاية التي كانت تبدو واعدة ولكنها ظلت ناقصة في تناميها وتمددها.
حيوية الرواية تتدفق خصوصا عندما نتعامل مع الشخصيات، شخصيات الرواية في علاقتها بالمكان هي التي توضح لنا التقاطعات والرهانات التي بنى عليها المبدع عمله الروائي، والحال أن الشخصيات في هذه الرواية متعددة بتعدد أسمائها وصفاتها وانخراطها في لحظة الحياة التخييلية داخل الرواية، وكثرة الأسماء علامة على الحياة النشيطة المتحركة، وتبقى الشخصيات المحورية هي التي كان لها الأثر البالغ في توجيه وصنع الأحداث وبناء الحكاية، السارد يحيى الشريف له ولع شديد بالمكان لكن زمانه منفلت في الرواية بسبب كثرة حركته وقلقه الوجودي، إنه سارد مشارك، فهو على علاقة مع يهود تطوان حيث تربى في حيهم، بل إنه ابن حيهم، يقيم مسافة بينه وبين شخصيات الرواية، يبدو أنه لا يجرؤ على تدجينها وخصوصا بنيامين اليهودي الذي تجاوزه، لقد ظل السارد سلبيا بعيدا عن حقيقة صنع أحداث الرواية، وبقي فقط راويا وناقلا لها دون أن تكون له القدرة على توجيه وصنع مصائر الشخصيات أو تغييرها. ويبقى مركز الدائرة في شخصيات الرواية هي عائلة بنعيم اليهودية التي كانت تقطن حي الملاح بالقدس الصغيرة أو مدينة تطوان، بنيامين بنعيم شخصية ترتبط بالمكان أي بمدينة تطوان فقط من أجل أغراضها، فهي شخصية يهودية ليس لها ولاء للمكان كيفما كان، فرغم هجرته إلى مدينة ” كاراكاس ” فإنه لا يرتبط بها إلا بقدر ما تساهم في تكديس أمواله، ومضاعفة أرباحه التجارية، عاد إلى مدينة تطوان ليس للذكرى وإنما فقط للحصول على مفتاح منزل أخيه يوشع بنعيم من أجل تحويل منزله إلى مخزن للسلع المهربة وعلى رأسها المخدرات بمساعدة ابن الملاح إبراهيم الفلونطي، هذا الأخير يعتبر رمزا للصعود الاجتماعي المريب في مدينة تطوان حيث انتقل من الفقر والتشرد والتسكع إلى الغنى والاستقرار وتكديس الثروات، وقد كان شريكا لبنيامين بنعيم في مؤامراته الدنيئة من أجل زيادة تكديس الأموال.
يوشع بنعيم أخ بنيامين، كان مولعا بالقمر الذي ظل محجوبا عنه ولم يستطع أبدا رؤيته بوضوح، تم قتله ببشاعة من طرف أخيه بنيامين وبعض المتآمرين معه، ولذلك كانت الرواية محاولة لكشف حجب وأسرار وجود وموت أو قتل يوشع الذي ظلت ذكراه بعد انحجاب القمر موزعة بين ملفات الشرطة وبين أخته سارة وزوجها حاييم سيريرو، وبنيامين.
سارة بنعيم أخت يوشع وبنيامين مثال للمرأة اليائسة والبائسة في نفس الوقت، كما أنها في الرواية رمز لتشييء الأنثى وحجب صورتها الفاعلة، فرغم يقينها بأن بنيامين كان وراء قتل يوشع مع عصابته لم تستطع السعي لتحقيق العدالة والوصول إلى الحقيقة، هذه الحقيقة التي تعتبر الضحية الكبرى في الرواية، وظلت سارة التي كانت فاتنة تترصدها العيون وتتبعها الخطوات منكفئة على نفسها حزينة ومفجوعة تعيش فقط مع خادمتها شامة حتى تزوجت بحاييم سيريرو وذهبت إلى مدينة طنجة ثم هاجرت بعد ذلك إلى إسبانيا.
تعود الرواية بهذا المعنى إلى إثارة موضوع الشتات اليهودي، حيث نجد يهود تطوان يشملهم الشتات والهجرة إلى الوطن الموعود، الهجرة المفتوحة إلى إسرائيل وباقي دول العالم، والهجرة المؤقتة المتمثلة في العودة إلى تطوان الأصل والمنطلق، لذلك فإن النص رصد لحركية اليهود بالموازاة مع بعض الحركية الاجتماعية في مدينة تطوان، لأن الحكاية داخل الرواية هي لليهود مع تناسل حكايات أخرى مرتبطة بحياة السارد تتقاطع مع الحكاية الأصلية، ولذلك كان استحضار تاريخ اليهود في القدس الصغيرة كتاريخ عابر مفعم بالتصدع واللاستقرار، مع العلم أن الملاحظ هو حدوث تقليص كبير للحكاية الأصلية على حساب الأحداث العابرة بحيث كان من الممكن أن تتنامى الرواية وتمتد على طول صفحات عديدة لو قدر للحكاية أن تتمدد وتتصل، ومن ثمة فقد عجزت الرواية عن استيعاب الحكاية المحورية بكامل تناميها وتطورها، فنتج عن ذلك طغيان الحكاية على اللغة، بحث لم تتمكن اللغة من رصد ثغرات الحكاية التي برزت ضمن الرواية كواجهة للتطور الاجتماعي، مع هشاشة الفوارق بين الطبقات تبعا لتطور المدينة بسبب طغيان الطفيليات الصاعدة، فانهارت العلاقات بين الشخصيات وغاب المعنى المقصود بينها.
* كاتب وناقد من المغرب