الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

رشيد بوزبع: مقتطف من إندثار الهوية

الحلقة الثانية

بقلم : رشيد بوزبع.

مرة أخرى تقول الطبيعة كلمتها، فهي لم ولن تجمع بين الهجرة والإحتفاظ بالهوية من غير إندثار، أو بمفهوم آخر، لا ربح بدون خسارة.

يبدأ هذا الإندثار بمجرد أن تطأ قدمك موطنا يخالف موطنك في اللغة والثقافة والدين، وكل ما يحرك أسلوب عيشك. ويبلغ أشده بل و يسري في عروقك أكثر من غيرك بمجرد تكوينك لأسرة وكلما تناسلت إلا وقد أسقطت وأضعفت خط دفاعك بنفسك. فعلا فإن القاعدة مناسبة لمعادلتك، وأن التناسل والأسرة مشروعين لتقوية وجودك، وإن كل ما هو طبيعي فهو إلاهي وبالتالي فقاعدتك الكلاسيكية فعالة وتحل المعادلة الصعبة،كما أن الله يبارك كل عمل صالح ومشروع.

بهذا، أنت تعطي الفرصة لبداية منتوج مخالف لثقافتك ومعتقداتك ولو بنسبة ما، وهنا تبدأ رحلتك في الإزدواجية، فتارة سوف تؤمن بالعلم وبيداغوجية التربية، وحسن المصاحبة والتسيير، وتارة سوف تترك الأمر لخالقك وللقدر…

سوف تسلك أنماطا وطرقا جديدة في الحياة لتصنع بها أسرتك الجديدة، وشخصيتك الناضجة بعيدا عن وطنك الأم، بعيدا عن أهل نشأت بينهم لسنوات تاركا حيك بأبنائه، تاركا مدرسة أو جو عمل أحببته، تاركا عادات، ذكريات وثقافة وراءك، ظنا أنك ستعود في قريب عاجل محققا ذاتك، أو أن هويتك ستظل كما هي مهما طال غيابك
كل هذه الأنماط ستكون سببا في إندثار هويتك خلال جيل أو إثنين، و بذلك إندثار حضارة مجتمع عبر أجيال.

طموحك وحماسك حينها سوف يعميك عن ما هو مخفي وعن مستقبل مجهول في وطن غير وطنك، لا ترى أنت منه سوى جماله، ولا تكترث إلا ما يعطيك من إيجابيات.

أما عن فقدانك هويتك الأصلية وتعريضها للإندثار و إندثار هوية مجتمع مما سوف يخلط أوراق وطن بأكمله في المستقبل البعيد فلا دراية لك بحجم هذا الخطر، وحتى إن حدثوك عنه، فلن تصغي وسوف تراهم كحاجز في وجه حماسك، وتراهم أعداء لنجاحك وأحلامك.

إن مخاطر العولمة على ثقافات الشعوب جد واضحة للإنسان المفكر، ونحن حاليا كعالم عربي إسلامي جد ضعيف أمام العالم الغربي. فلنسمي الأشياء بأسمائها؛ هذا الأخير قوي بعلومه، قوي بصناعاته، ببناياته التحتية، بإقتصاده، قوي بأنظمته الإجتماعية والتعليمية والصحية. قوي بجيشه، بأساطيله البحرية والجوية.

ألا يجعل هذا هوية المهاجر مرنة وقابلة للإندماج بسهولة مع محيط نقي، ومجتمع عادل، آمن وغني؟…
الأمر خطير في حد ذاته ويهمنا كفرد وكمجتمع. لكنه متناسي، والغفول عنه إرادي بحجة (هذا ما كتب علينا) وبحجة التملص من المسؤوليات ونسبها للآخر. الكل مسؤول والكل واع بخطورة الوضع، وبضبابية مستقبل أجيال صنعناها و نضاعف في صنعها بسرعة خيالية، في ظل ثقافات مزدوجة بل متعددة أحيانا لكنها مشتركة وعلى أرضية واحدة.

هناك بعض الأسئلة التي تطرح نفسها حول هذا الموضوع؛

أولا؛ كيف لأجيال قادمة ومن صلبنا. أن تصنع هويتها وسط إزدواجية الثقافات وضعف المحيط المربي والمستوى الديني إن لم يكن منعدما.

ثانيا؛ الإندماج في الإتجاه المعاكس، بمعنى أن هجرتنا خلال هذه العقود تطلبت إندماج وجهود في تقبل التغيير.. إذن كيف لهذه الأجيال الجديدة الإندماج وتقبل فضاء لا يمثلها لكنه عالمها الأم.

طبعا لكل زمن جيله ولكل جيل تقدمه وإزدهاره في الحياة، ومفاجآته أيضا، وسيبدو هذا الإ ندثار عاديا جدا مع مرور الوقت. إذن فالأمر لا يحتاج لكل هذا الإنذار والحيطة.
هناك فئة تظن أن الوضع يتطلب فقط التعايش، ما دام هذا مشكل مجتمعات عديدة مما يقلل من نسبة التخوف ونسبة الإحساس بالمسؤلية والذنب. وكما يقول المثل الإيطالي، (إن لم أستطع الفوز فلا بأس بالتعادل).

وهناك فئة تؤمن بالرسالة، ولها ضمير وتتشبت بالمسؤولية. وتناسلها في الحياة بقدر ما هو حق وشرع. فهو رسالة ومسؤوليات ورؤيا للا نهاية؛ فمن المستحيل في عصرنا هذا أن يتناسل الإنسان فقط لنزوتة أو لضمان مساعدات وخدمات مجانية وقت الشيخوخة والعجز، وإلا فهذه كارثة.

إن الأسباب التي تجعلني أتطرق لهذا الموضوع هو مواطنتي ومعايشتي للوضع والإيمان بصعوبة الحلول أو إنعدامها. وشهادتي على الإنقراض الثقافي، بل الأخطر من هذا الإنسلاخ الديني.

وإنه لمن المواطنة الإشارة إلى خطورة الموقف والإدلاء بشهادات لا تحصى جمعتها عبر سنين، ويشهد العالم في العقدين الأخيرين، ولا ينفي أحد كيف إستغلت فئة من الغرب فئة من جيل أبنائنا في مؤامرة ضد الدين والثقافات، ونجحوا في ذلك نظرا لهشاشة الهوية وضعف المناعة الدينية.

لابد لنا من العودة إلى التاريخ إن أردنا الوقوف على حيثيات هذا الضعف والاندثار.

وليس من الضروري العودة إلى تاريخ بعيد لدراسة هجرة شعوب في القرون السابقة وإلا سوف نغوص في ماض بعيد وهجرات مرغمة عكس تلك المرغوب فيها.

لنكتفي فقط بهجرة الماضي القريب، هجرة خصت، وتخص مجتمعنا الأم، أي ما بعد إستقلالنا، ونصنفها كالتالي؛
هجرة الجوع، هجرة الأمية، هجرة البطالة، هجرة طلب العلم، هجرة الأذمغة، هجرة الإحتقان، هجرة حب الإكتشاف، هجرة التقليد، هجرة الإلتحاق المظطر…

Loading...