الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

خارج أيام الكورونا “الغريمان: التراث والإعلام!”

بقلم : ربيعة جلطيّ

كما في شؤونٍ شتى من الحياة، ففي السياسة أيضا لا شيء وليد الصدفة. أو الطفرة. كل شيء بميزان. كل شيء بحسبان. وإن بدا الأمر غير ذلك أحيانا. للتاريخ حساباته، وحيَله. حسابات ينسجها بإتقان، ويُخرج نتائجها من بين أكمامه، مثل ساحر متمرس، فيتفاجأ بها من يسهو لتتبع حركاته السريعة المتواترة . وكم هو سريع هذا الوقت الذي يجري من تحت أرجلنا في صمت ملغوم، مثل هسيس رمل متحرك، تتدافع حباته الواحدة تلو الأخرى، لتصنع الماضي والقادم وما بينهما. على مهل، كنت أتأمل الحال وأنا أزور البحرين منذ أشهر قليلة.

المديرة السيدة ازميرالدا ترافقني فنتجول في المتاحف والبيوت التاريخية المتنوعة والمسارح والقاعات الثقافية الكبيرة وغيرها من الآثار القديمة، التي أخرجتها حنكة السيدة مي آل خليفة وزيرة الثقافة البحرينية من رمل النسيان، إلى القدرة على إبهار زائريها من العرب والأجانب، على الرغم من قلة الموارد وشحها. قلة الموارد المادية لم تُركعها بل نجحت السيدة مَيْ في مهمتها لأنها تحب بلدها البحرين وتاريخه وغده. ويبدو أن الحب هو المورد الوحيد لطاقة لا تنضب.

ننزل من سيارة السيدة ازميرالدا. نسير في الأزقة الضيقة المُرمَّمَة الغافية في صمت لذيذ. سواح أجانب يجولون بها ويكتشفون. كأنها ممرات هُرّبت بألوانها ونخيلها من لوحة تشكيلية خالدة و معتقة.

تستفيض السيدة المديرة في تعريفها الموسع والموثق عن الأمكنة التي بدت مكتملة الروعة رغم حفاظها على البساطة المدهشة. وكم هي عميقة البساطة الجميلة! ربما السيدة المديرة لم تكن تعرف أنني زرت البحرين قبل أزيد من عشرين سنة. نعم..لا شيء يأتي من اللاشيء.. إنه الشغف الذي يملأ قلب البحرينيين للثقافة والتراث منذ عشرات السنين، أنجب شغفا آخر جديدا أكثر فتوة ويفاعة.

أسير وأشاهد وأكتشف وأتذكر. لم يبق في ذاكرتي من زيارتي الأولى للبحرين منذ أكثر من عشريتين من الزمن، سوى جانبها الثقافي بحرصه على البعد التراثي، ووجوه حضرتْ قراءاتي الأدبية ولم تخن ذاكرتَها الذاكرة. لقاءات تنيرها نجوم كانت تتأسس آنذاك في أسرتها، وأهلها من الأدباء والمثقفين والفنانين. علي عبد الله خليفة وفوزية رشيد و حمدة خميس وقاسم حداد وعلي الشرقاوي وغيرهم.. ولم يبق في ذاكرتي سوى ظلال تلك المعالم الثقافية البسيطة التي زرتها آنذاك وهي في مراحلها المبتدئة الخجولة، أكتشفها الآن وقد تطور مظهرها المعماري كثيرا، وتوسعت، وتعمقت، ودخلت زمنها التكنولوجي. تطورٌ لم يشوش الذاكرة، ولم يشوه وجه الطبيعة الجميل. الغريب أنني منذ أشهر قليلة تلقيتُ رسالة لطيفة بصفحتي على الفيسبوك مرفقة بصورة يؤكد بها صاحبها “محمد س ” أنه كان صحفيا يافعا، وأجرى حديثا معي لتلفزيون قطر منذ أكثر من عشرين سنة، وأنه ومازال يحتفظ بنسخة من ذاك الحوار التلفزيوني.

تذكرت أنني بعد أسبوع قضيته في البحرين، انتقلتُ بعده إلى قطر لأقيم أمسيات أدبية. ذلك قبل أكثر من عشرين سنة. ولأنني، ونتيجة التجربة الطويلة، أصبحتُ أومنُ أن لكل بلد نقطة ارتكازه، تُميّزه في سياسته الخارجية والداخلية واقتصاده وثقافته. فإن الصورة التي بقيت في ذهني من قطر، والتي تكاد تكون الوحيدة الطاغية، هي مقر التلفزيون. هي الزيارة التي بُرمجت لمقر الإذاعة والتلفزيون القطري. لم تكن ناطحة سحاب آنذاك، بل كانت بناية بسيطة جدا. كان المُرافق حريصا على أن أرى بأم عيني كواليس الإرسال. الحق يقال، كانت مثل خلية نحل حية وحيوية، تنبئ بالقادم الأكثر ضجيجا. تطبع الجديةُ والرغبةُ في تجاوز كل العقبات والحدود وجوهَ الواقفين أمام واجهة المراقبة والإرسال بتقنييه من العرب والأجانب.

حين غادرتُ مقر الإذاعة والتلفزيون القطري يومها، سُلمتْ لي بعض “الكاسيتات” الطازجة آنذاك، الخارجة لتوها من استديوهات التسجيل، التي لم تُبث بعد على أمواج الإذاعات..من حسن حظ مستمعي برنامجي “حواء والدنيا” ومستمعيه، الذي كنت أُعدّه وأقدمه من وهران ويبث على أمواج الإذاعة الوطنية، حظهم في الاستماع قبل غيرهم لأغاني ماجدة الرومي وراغب علامة وجورج وسوف..

– لا شيء يجيء من اللاشيء.! الوجود من خلال الثقافة والتراث هو الرهان في البحرين، و أما في قطر فيعد الإعلام، هو حصان السباق المراهن عليه. هذا ما توصلت إليه و أنا أتأمل مسار نمو بعض بلدان الأطراف في العالم العربي و زحفها نحو المركز.

أضاءت في ذهني فكرة .. لا بد أن مراسلي على الفيسبوك “محمد س« الذي أجرى معي حوارا منذ أكثر من عشرين سنة، وكان شابا آنذاك، لا بد أنه قد تمرس في الإعلام المرئي، وأصبح صحفيا كبيرا ونجما في “قناة الجزيرة” التي يقال عنها الكثير، والتي لا أتابعها لأنني ببساطة لا أشاهد التلفزيون إلا نادرا:

– وهل مازلت صحفيا في التلفزيون نفسه ؟! سألتُه :
– الحقيقة أستاذة أنني كنت أتعامل مع التلفزيون وبالموازاة أدرس تخصصا مختلفا.. سيدتي أنا الآن طيار في الخطوط الجوية القطرية!

الصورة: وزيرة الثقافة البحرينية السيدة مي آل خليفة تكرم الشاعرة والروائية ربيعة جلطي في المنامة عاصمة البحرين.

Loading...