الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

ثقافتُنا المُعدَّلةُ وِزارياً !

محمد بشكار

ما يجري حالياً دون حبر على ورقٍ في الوزارة التي عادت لاسمها القديم “دار لقمان”، لا تُناسبه إلا عبارة “الدَّقْ والسكات”، وهي عبارة شعبية بليغة تجعل الغافل يفطن إلى ضرب أشدَّ مضاءً من السِّنان يَحدُث في الخفاء دون تحريك اللسان، ولكن ما لنا ولغة الجراح، الأحرى القول إن وزارة الثقافة ما فتئتْ تُضفي عنصر التسلية على لعبها السياسي، وهو قرارٌ حكيم لا يَصْدر إلا عن دار عادت لوصايا لقمان، والحقيقة أنِّي لم أعُد أعرف مع من تتعامل الوزارة وهي تتحوَّل مع الأيام بل السنوات، إلى عُلبة مفاجآت لا تُسلِّي إلا الصغار !

ولا أبالغ وأنا أُجرِّب حظِّي مع علبة المفاجآت، إذا قلتُ إني أُشفق على الحكومة الحالية في نُسختيها طِبْق الأصل لنفْس اللون السياسي، فهي فشلت في الاستقرار على وزير واحدٍ للثقافة منذ تولِّيها الحُكْم، ولم يكن سهم أي تعديل حكومي ليُخطئ مراميه في إصابة وزير الثقافة قبل أن يُسخِّن كرسيه في المنصب السَّمين، فلا يكاد يفرح بالتَّعْيين حتى تُصيبه بِمبرِّر خرافي آفة العين، وقد تَعاقب على هذه الوزارة التي أصبحت حائطا قصيرا، ثلاثة وزراء في ظرف حكومة واحدة، آخرهم في الأشهر الأخيرة السيد عثمان الفردوس، وأخشى أن تتسرَّب هذه الاستهانة بقطاع الثقافة للأنفس الضَّعيفة وتعتبر كل ما يساهم في تنمية الوعي والفكر الإنساني مُجرد خُضارٍ فوق الطعام، مِمَّا يحدق بخطر إنشاء مجتمع تعمُّه أجيال من الضباع، أمَا كان أجدر أن تُطوِّر الحكومة من الأداء التنويري لهذه الوزارة، عوض أن تترك حالها مائلا تصفه بعض الألسن بحليب الأتان، لا هي نافعة ولا ضارة !

وإذا كانت حقاً هذه الوزارة قد اتخذت مع الزمن هيئة عُلبة المفاجآت، فقد اقتصرت في بثِّ الفرْحة على الصغار ممن ينتهزون الأعياد دون ميلاد، أمَّا الكبار فَيرْبأون بأنفسهم عن كعكة لا تُغْني إلا من ريع، ولا أعرف لِمصلحةِ منْ يتم إفساد أجهزتنا الثقافية لينبطح معها الوعي الجَمْعي للبلد إلى الحضيض، وكان الأجدر إيلاءها نفس الاهتمام الذي تحظى بسُيولته المادية باقي القِطاعات الوزارية، لكن الحكومة بدَلَ أن ترفع من ميزانية وزارة الثقافة، ذوَّبت معدنها الأصيل في وزارتي الاتصال والشباب والرياضة، لتزيد تكاليفها عبئاً بعد أن أضْحَت ثلاث وزارات تأكل من نفس الطبق، وما نقصد بالطَّبق إلا شكله المُدوَّر الذي يوحي بصفر تليه دائما فاصلة، وهي النسبة الهزيلة المرصودة كميزانية سنوية لاستبخاس القطاع الثقافي، كان أجدر بالدولة أن تتجاوز فاصلة الصفر إلى نسبة مادية عالية ترفع وتيرة النشاط الثقافي بالبلد وتُشجِّع ذوي الحقوق الفكرية على الإبداع ، لكن يبدو أن من يُكرِّسون غُصة الفاصلة في هذه النِّسبة الشحِّيحة لدعم البحث العلمي والشأن الثقافي، أفْقر من أن يَفْصِلوا بين العِلم والجهل!

ولا غرابة إذا لم تعد عُلبة المفاجآت بدار لقمان تكشف غطاءها عن ما يَسُر، فَحيْرة الحكومة في تعيين الوزير المُناسب لقطاع الثقافة، أرْبكَ السَّير الطبيعي لهذه المؤسسة، وما أشبه من يتولى هذه المُهمة الصَّعبة بمنْ يُمسك دفَّة سفينة بأشباح من سبقوه، فإمَّا يجتهدُ الوزير لإيجاد بَصْمته الخاصَّة مُبتكراً سياسة إصلاحية تُعيد الثقافة المغربية بكل أشكالها التعبيرية للواجهة، وإمَّا يرْتكنُ مُستسْلماً للقوى الخفية ويُسرع إلى إغراق السفينة مع كل المُكتسبات قافزاً من مقصورة مسؤوليتها الجسيمة، ومع ذلك لن يَسْلم من الغضْبة التي تُسجِّلها الكلمة للتاريخ، لأنَّه فضَّل النجاة بتقاعده المُريح على أن يُنقذ ضمير الأمة !

أين مثلا في وزارة الثقافة السِّلسلة الفريدة “الكتاب الأول” التي تُشجع الأدباء الشباب، وكيف في رمشة عين لا يفهم إلا الحُر إشاراتها من الغمزة الأولى، تتخلَّى الوزارة عن دعم المؤلَّفات التي يتقدم بثمارها سنويا الكُتاب المغاربة لِدُور النشر، لِتُقرِّر بجرَّةِ قلمٍ أو ضربة قدمٍ تعدم كل المُكتسبات، شراء ما يقترحه الناشرون من أعمال لا تحْتكم لمعايير نقدية تُدبجها لجنُ قراءةٍ علمية، وذلك لَعَمْري يُنذر بمشهد مريع يعيد لأذهاننا أزمنة مغرب ثقافي عصيب، وقد استفاد من فراغه القانوني الذي لا يكْفُل للمؤلف حقوقه المادية والمعنوية أيضاً، بعض الناشرين، حتى صاروا لِفرْط ما تاجروا في أقلام البؤساء أغنى من تُجَّار الأسلحة، ولا أعجب إلا مِمَّنْ يضرِب الدفوف مُبشِّراً بواقع أجمل بعد نهاية كورونا في بلدنا، وفي ذات الضَّرب يُفضِّل المُستقبل كتابا مُغلقاً حبيس الرُّفوف !

Loading...