الصفحة الرئيسية

قراءة: أزمة الرواية كما يراها رولان بارت

يوسف خليل السباعي

في حديثه عن أزمة الرواية، في كتاب ثري، وصعب “درس السيميولوجيا” من نصوص من تأليفه، وترجمة عبد السلام بنعبد العالي، وتقديم عبد الفتاح كيليطو، وصادر عن دار توبقال للنشر، ومن خلال حوار، يقول رولان بارت: “لا تكون الأزمة حيث تقل الموضوعات والكتب. بل إن فترات الأزمة تعرف على العكس من ذلك تزايدًا في الموضوعات والكتب. وفيما يخص الرواية فإن الإنتاج ظل على الأقل يعرف نفس الوتيرة. كلا، الأزمة تكون عندما يكون الكاتب مضطرًا إما للاجترار أو للانقطاع عن الكتابة، أي عندما يجد نفسه أمام اختيارين حاسمين: إما أن يكرر ويجتر أو ينسحب”.

كيف نقرأ هذا الرأي لرولان بارت، وهو يتحدث عن الأزمة، وأزمة الرواية تحديدا، في ذلك الوقت؟!… إنه يضعنا في حيرة، حيث يجعلنا الأمر نجلس على الأرض ونفكر. إن الأزمة هنا لاتعني قلة الموضوعات والكتب أو انعدامها، وإنما بالعكس في تزايدها، بمعنى أن الأزمة تكون عندما نصدر الكثير من الكتب وغزارة الموضوعات، ويصبح الكتاب يعملون كالآلة، وينتجون بلا انقطاع، فيكثر الإنتاج وتكثر معها الكتب، وتصبح الكتب كأسواق الخضروات والأسماك، ويكثر عدد الكتاب من كل جهة، الكتاب الآليون، المنتجون الذين لايتوقفون عن الكتابة بكل الضربات.

من جانب آخر، إن رولان بارت يتحدث عن الكاتب، وليس الكتاب، من دون أن يحدد، ولكنه، في البياض، يتحدث عن كاتب الرواية، إلا أن الكاتب، عنده، في هذا الصدد، هو مفرد بصيغة الجمع، ولكن مايهمنا، هنا، هو ذلك الاجترار، والتكرار، أو الانقطاع عن الكتابة، من طرف الكاتب، فتغدو الأزمة ماثلة، بمعنى أن الكاتب الذي لايحول أسلوبه الذي يعتبره بارت هو الكتابة، لايفعل سوى الاجترار والتكرار، أو قد ينقطع عن الكتابة، فليس أمامه سوى الاجترار والتكرار وإلا ينسحب، أي أن لايكتب، وفي هذا الانقطاع تكون الأزمة.

وإجمالا، فإن الموضوعات والكتب في هذا التكرار تصبح عديمة الجدوى، لأنها لاتقدم الجديد والجدة، وبالتالي، المتعة.

وهذا يحيلنا على كتاب آخر لرولان بارث، هو “لذة النص”، إذ، من دون المتعة، لن تكون هناك إلا الأزمة، وكتابة مكررة.
ويظل السؤال الجوهري، يطرح نفسه، بإلحاح، في الأخير: هل كل رواية جديدة، برغم ما تقدمه من أفكار، وموضوعات، وتقنيات، لن تكون إلا رواية كلاسيكية من خلال اجترار غير واعي؟!

ليس هناك إجابة محددة، ولكن الأزمة في تزايد الموضوعات والكتب، ومن ضمنها أزمة الرواية كما يقول رولان بارت كما لو أنه يتحدث، في العمق، عن موت الرواية!

Loading...