الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

الكاتب الأورغوياني إدواردو غاليانو: أقرُّ بالجميل للصحافة التي أيقظتني على حقائق العالم

ترجمة: نجاح الجبيلي

إنه الأمر نفسه في أغلب الصباحات. على مائدة الفطور فإن الكاتب الأرغوياني إدواردو غاليانو -72 سنة وزوجته هلينا فياغرا يناقشان أحلامهما في الليلة السابقة. يقول غاليانو: “أحلامي دائماً حمقاء. عادة لا أتذكرها وحين أتذكرها تدور حول أمور سخيفة مثل الطائرات المفقودة والمشاكل البيروقراطية. لكنّ لزوجتي أحلاماً سعيدة”.

في إحدى الليالي حلمت بأننا كنا في المطار إذ كان المسافرون جميعاً يحملون الوسائد التي ناموا عليها في الليلة السابقة. قبل أن يركبوا على متن الطائرة فإن السلطات الرسمية سوف تضع وسائدهم في ماكنة تستخلص أحلامهم في الليلة السابقة وتتأكد انه ليس هناك أمر مخرباً فيها.

حين أخبرته بذلك شعر بالارتباك حول عقوبته الخاصة. “إنه أمرا مخجل حقاً”.

ليس هناك الكثير من السحر في واقعية غاليانو. لا يوجد شيء مخجل فيها أيضاً. هذا الكاتب المتحول من الصحافة في السبعين أصبح الشاعر المتوج لحركة ضد العولمة عن طريق إضافته الصوت الشعري الوجيز إلى اللارواية. حين ضغط الراحل هوغو شافيز بنسخة من كتاب غاليانو الصادر عام 1971 بعنوان” العروق المفتوحة لأمريكا اللاتينية:

خمسة قرون من نهب القارة” في يد باراك أوباما أمام الصحافة العالمية عام 2009 فإن الكتاب قفز من المرتبة 54295 في موقع الأمازون الإلكتروني الخاص ببيع الكتب إلى المرتبة الثانية في ذلك اليوم. وقد هتف الناس المزدحمون حين أعلنت أروندهاتي روي في آذار عن زيارة وشيكة يقوم بها غاليانو إلى شيكاغو. وحين جاء غاليانو في أيار بيعت كتبه كما هي العادة في أغلب جولاته.

صرح للصحيفة الإسبانية “أل بايسس” مؤخراً قائلاً “هناك تقليد يرى في الصحافة الجانب الأسود للأدب، وذروته هو تأليف الكتب”. ويضيف:” لا أتفق مع ذلك. أعتقد بأنّ كل الأعمال المكتوبة تؤلف الأدب حتى الغرافيتي. لقد كتبت الكتب لعدة سنوات لكني تمرنت كصحفي وما زالت البصمة فيّ. أنا أقرّ بالجميل للصحافة إذ أيقظتني على حقائق العالم”.

تظهر هذه الحقائق موحشة. يقول:” هذا العالم ليس ديمقراطياً مطلقاً. المؤسسات الفاعلة، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تنتمي إلى ثلاثة أو أربعة بلدان. والأخرى تراقب. فالعالم ينظمه اقتصاد الحرب وثقافة الحرب”.

ومع ذلك فلا شيء هناك في أعمال غاليانو أو سلوكه ينم عن اليأس أو حتى الميلانخوليا. وحين كان في إسبانيا في اضطرابات الشباب في “أنديغوندوس” قبل سنتين التقى بالمحتجين الشباب في بيرتا دل سول في مدريد. وقد حيّا التظاهرات. “هؤلاء شباب آمنوا بما هم فاعلون. من غير السهل العثور على ذلك في الحقول السياسية. أنا اعترف بالجميل لهم”.

أحدهم سألني كم المدة التي يستمر فيها الصراع. ردّ غاليانو:” لا تقلق. إنه يشبه ممارسة الحرب. إنه لانهائي بينما هو حي. لا يهم إن كان يستمر لمدة دقيقة. لأنه في لحظة يحدث، دقيقة يمكن أن تشبه أكثر من سنة واحدة”.

يتكلم غاليانو كثيراً مثل هذا- لا في الألغاز بالضبط، بشكل مبهم وعابث، مستخدماً الزمن كونه سيف المبارزة. حينما سألته إن كان متفائلاً بشأن حالة العالم أجاب:” يعتمد على سؤالك لي خلال النهار. من الساعة الثامنة صباحاً حتى الظهر أنا متشائم. ثم من الساعة الواحدة حتى الرابعة أشعر بالتفاؤل”.

التقيته في بهو الفندق في قلب مدينة شيكاغو الساعة الخامسة بعد الظهر وهو يجلس مع زجاجة كبيرة من النبيذ ويبدو في منتهى السعادة.

رؤيته عن العالم غير معقدة- المصالح العسكرية والاقتصادية تحطم العالم، تجميع القوة المتصاعدة في أيدي الأغنياء وسحق الفقراء. بافتراض المسح التاريخي الواسع لأعماله فإن الأمثلة من القرن الخامس عشر وما بعده هو أمر اعتيادي. إنه يفهم الموقف الحاضر لا كتطور جديد بل سلسلة متصلة على كوكب مطعون بشكل دائم بالهزيمة والمقاومة.

ومع أنه ناقد شديد لسياسة أوباما الخارجية وعاش في المنفى لمدة أكثر من عقد أثناء السبعينات والثمانينات ومع ذلك فهو يتمتع بالأصداء الرمزية لانتخاب أوباما ببضع تلميحات قائلاً:” كنت في غاية السعادة حين جرى انتخابه لأن هذه البلد ذات تقليد ناضج في العنصرية”. فهو يحكي قصة كيف أن البنتاغون في عام 1942 أمرَ بأنه غير مسموح نقل دم السود إلى البيض. “في التاريخ ذلك لا يعني شيئاً. فسبعون سنة تشبه دقيقة. لذا فإن نصر أوباما هذا يستحق الاحتفال”.

كل تلك الصفات- الملغز والعابث والتاريخي والواقعي- تمتزج في كتابه الأخير “أطفال الأيام” الذي يصنع فيه صورة قلمية تاريخية موجزة لكل يوم من السنة. والهدف هو الكشف عن لحظات من الماضي بينما يضعها في سياق الحاضر، متردداً في القرون كي يصور السيناريوهات.

ما حققه هو نوع من الحفر التاريخي وهو يؤصل القصص التي جرى فقدانها وأسيء استعمالها ويقدمها بكل مجدها ورعبها أو لامعقوليتها التامة.

إن تدوينه في 1 تموز مثلاً بعنوان: “أقل من إرهابي” يقرأ:” في عام 2008 قررت حكومة الولايات المتحدة أن يمسح اسم نلسون مانديلا من قائمتها في الإرهابيين الخطرين.

الأفريقي الأكثر توقيراً في العالم كان قد وضع في تلك القائمة الشريرة لمدة ستين سنة”. وسماه “اكتشاف 12 أكتوبر”. ” في عام 1429 اكتشف السكان الأصليون بأنهم هنود حمر واكتشفوا أنهم عاشوا في أميركا”.

في الوقت نفسه يدعى 10 كانون الأول(ديسمبر) “الحرب المقدسة” ومهداة إلى تسلم أوباما جائزة نوبل حين قال أوباما هناك “ستأتي أوقات ستجد الأمم أن استعمال القوة لا ضروري فحسب بل مبرر أخلاقيا” فكتب غاليانو:” قبل أربعة قرون ونصف وحين لم تكن جائزة نوبل موجودة والشرّ كامن في بلدان لا يوجد فيها نفط بل ذهب وفضة، فإن القاضي الإسباني خوان جينس دو سبلفيدا دافع أيضاً عن الحرب كونها “ليست ضرورية فحسب بل أيضا مبررة أخلاقياً”.

لذا فهو ينتقل من الماضي إلى الحاضر ثم يعود خالقاً ارتباطات مع الظرف الساخر الناقد. يقول مصرّاً أن رغبته هو أن يجدد ما يسميه ” قوس قزح الإنسانية الأكثر جمالاً من قوس قزح السماء. لكن عسكريتنا ورجولتنا وعنصريتنا كلها أعمتنا عنها. ثمة العديد من الطرق في أن تصبح أعمى.

نحن عميان بالنسبة للأشياء الصغيرة والناس الصغار”.

ويؤمن أن المسار المحتمل في أن نصبح عميان هو لا فقداننا البصر بل الذاكرة. يقول:” خشيتي الكبيرة أننا كلنا نعاني من فقدان الذاكرة. كتبت كي أعيد ذاكرة قوس قزح الإنسانية الذي هو في خطر أن يصبح أبتر”.

وكمثال يصف روبرت كارتر الثالث – الذي لم أسمع به- الذي كان الأول من بين الآباء المؤسسين في أمريكا الذي يحرر عبيده:” بسبب ارتكابه هذه الخطيئة التي لا تغفر حكم عليه التاريخ بالنسيان”.

سألته من هو المسؤول عن هذا النسيان؟ فأوضح قائلاً:” المسؤول ليس شخصاً بل نظاما من السلطة دائماً يقرر باسم الإنسانية من يستحق التذكر ومن يستحق أن ينسى.. إننا خلاف ما يجري إخبارنا. إننا أكثر جمالاً”.

عن: الغارديان

Loading...