الصفحة الرئيسية

3 أسئلة للأستاذ الجامعي والمحامي د. خالد الإدريسي : المجال الاعلامي الجديد بحاجة ملحة لمدونات أخلاقية وآليات ضبط ذاتي و خارجي

3 أسئلة للأستاذ الجامعي والمحامي د. خالد الإدريسي : المجال الاعلامي الجديد بحاجة ملحة لمدونات أخلاقية وآليات ضبط ذاتي و خارجي

1- أفرز التطور التقني والرقمي الحديث انتشار جملة من التطبيقات والمظاهر الحديثة، ولدت إزاءها أشكالا متعددة من الجرائم لها علاقة بسوء استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. كيف تقرأ الظاهرة انطلاقا من الوضعية الإعلامية الراهنة، المنذورة للفوضى، وقوة المال، والهبوط الأخلاقي؟

ج – من الأكيد أن التطور الهائل الذي عرفه العالم في الوقت الحالي على مستوى انتشار التكنولوجيا و تعميمها، و أيضا ظهور العديد من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت الاتصال و التواصل بين الأفراد و قربت المسافات البعيدة جغرافيا فيما بينهم ، ليصير الجميع متواجدا في عالم افتراضي واحد مكون من مكان و زمن موحد . و إذا كان هذا التطور ترتبت عليه العديد من الإيجابيات، على المستوى التواصلي، سواء من الناحية الثقافية أو التجارية على وجه الخصوص ، فإنه ترتبت عنها أيضا مجموعة من السلبيات، الناتجة عن غياب معايير أخلاقية واضحة، تحكم هذا الإعلام الجديد الذي تتحكم فيه شركات عالمية عملاقة ، و يبقى تدخل الدول ضعيفا و ثانويا من أجل وضع آليات ضبط فعالة لضبط الفوضى، التي يعيشها هذا المجال . فالملاحظ أن هاجس الحصول على المال باستعمال تطبيقات الإعلام الجديد أصبح هو الهدف الأساسي لدى الكثير من النشطاء في هذا المجال ، إذ أن تحقيق أرباح مالية أصبح يجعل بعض الأشخاص أو المؤسسات لا تتوانى عن استعمال الكثير من الطرق غير الأخلاقية، التي تسهل الحصول على نسب المشاهدات و المتابعات، التي تعتبر بدورها المعيار الأساسي، لتسويق السلعة و الحصول على الأموال . و لذلك تجد أن الكثير من المواضيع القائمة على الإباحية الجنسية أو على الأقل الإيحاءات الجنسية، هي التي تشكل اغلب الموضوعات المتطرق لها و التي تلقى إقبالًا منقطع النظير ، ناهيك عن الفضائح بمختلف أنواعها التي تعتبر مادة دسمة تحظى بمتابعات مليونية ، و هو ما يجعل أغلب المواد الرائجة في هذه الفضاءات، تتنافى ليس فقط مع الضوابط الأخلاقية و الدينية بالنسبة للمجتمعات المحافظة فقط، و لكنها تتنافي أيضا مع الضوابط القانونية، التي تجرم مثل هذه الأفعال و السلوكيات، و تعاقب عليها بعقوبات قد تكون سالبة للحرية . لكن مع ذلك إذا كانت القاعدة العامة ، فإن غلبة هذه السلوكيات، لا تمنع من القول على وجود بعض الاستثناءات القليلة لبعض الفاعلين في الإعلام الجديد، الذين يحاولون التطرق الى مواضيع سياسية اقتصادية و اجتماعية و فكرية و رياضية، يؤصلونها بطريقة علمية و موضوعية ، و رغم أنها لا تحظى بمتابعات مكثفة، إلا أنها استثناءات تكسر رتابة الانحلال و الفوضى، الذي أصبح طاغيا على المجال الاعلامي الجديد ، و الذي أصبح في حاجة بالفعل الى مدونات أخلاقية و الى آليات ضبط ذاتي و خارجي، تتعامل بكل صرامة مع التأثيرات السلبية التي تخلقها الممارسات الفوضوية و غير الأخلاقية في هذا المجال .

2 ـ هناك تأثيرات نفسية واجتماعية وأخلاقية وصحية لاستعمال الأنترنت، كما تعلم، كيف يمكن تأطير إشكالية الأمن المعلوماتي على شبكة الأنترنت، فرديا وأسريا؟ على اعتبار التدقيق في منظومة دراسة أهم الجرائم المرتبطة بالبيئة الرقمية الحديثة؟

ج – أكيد على أن التأثيرات السلبية لاستعمال التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاعلام الجديدة، أدى الى ظهور العديد من الأضرار المادية و المعنوية ، الفردية والجماعية ، بشكل جعل المنظومة الأخلاقية و المبدئية للمجتمعات، تضرب في العمق و تتضرر نتيجة ظهور فاعلين جدد، ينطلقون من منطلقات مادية بعيدة عن الهاجس الأخلاقي أو الديني . و في المغرب، على سبيل المثال، رغم تحديث المنظومة القانونية و تعزيزها بالعديد من المستجدات، التي تقدم إجابات على العديد من الإشكاليات ذات البعد التكنولوجي ، فإنه يمكن القول أنها لم تكن لها فائدة عملية ، لأن الاشكال ليس في الترسانة القانونية، بقدر ما تتجلى في الآليات الادارية و الأمنية و القضائية، التي يقع عليها واجب إنفاذ القوانين و التعامل بصرامة مع المخالفين ، و هنا يظهر الخلل الناجم عن سوء تطبيق القوانين، و عدم وجود مؤهلات مادية و بشرية متخصصة، للقيام بهذه المهمة الحاسمة ، و مع ذلك لا يمكن إنكار بعض المجهودات المبذولة من طرف الدولة، بقصد تأهيل أجهزتها للتعامل مع الجرائم الإلكترونية بصفة عامة ، و الجرائم المعلوماتية المرتبطة بالإعلام بصفة خاصة ، إلا أنها ما تزال يلزمها الكثير من التخصص و الحرفية، للقيام بالدور المنوط بها على أحسن وجه . لكن مع ذلك فإن الدولة حينما تسعى الى الضبط القانوني و الأمني لأي ظاهرة ، فإنها يجب أن لا تتخذها ذريعة من أجل المساس بالحقوق و الحريات الفردية و الجماعية للمواطنين ، و لذلك فان الدولة المغربية حينما حاولت ضبط مجال هذا الإعلام الجديد من الناحية القانونية و أصدرت مشروع قانون رقم 22.20 المنظم لشبكات التواصل الاجتماعي و الشبكات الموازية ، لم تكن موفقة في هذا الأخير، الذي تعرض لمواجهة رافضة مجتمعية و حقوقية و سياسية . فرغم أنه قد يقال أن هذا المجال يعيش فوضى كبيرة و يحتاج بالفعل للتأطير القانوني الذي يمنع مخالفته تحت طائلة تطبيق الجزاءات الزجرية و المدنية عليه ، فإن واضعي المشروع قانون استغلوا الحاجة لتنظيم هذا المحال و حاولوا التضييق على حرية التعبير من خلال تجريم بعض الأفعال التي تبدو مباحة و تدخل في اطار حرية الرأي، الذي نص عليها الدستور و المواثيق الدولية، التي أكدت على ضرورة حمايتها، وأخدها بعين الاعتبار أثناء وضع القوانين ، كما أنهم استغلوا هذا المشروع للتراجع عن الكثير من مبادئ دولة الحق و القانون، و عملوا على حماية المصالح الضيقة لبعض اللوبيات التي تتحكم في دواليب السياسة و الاقتصاد داخل الدولة ، و التي ترفض كل من يتحدث عن هيمنتها و جشعها . لكن رغم أن هذا المشروع قد تم التراجع عنه بعد الضجة التي أثارها ، فإن وضعية اللانظام التي يعيشها هذا الإعلام الجديد تفرض صدور قانون يقدم اجابات موضوعية حول الإشكاليات المطروحة، و يواجه الاختلالات التي تسجل في هذا المجال ، و يكون الهدف منه هو ضبط هذا المجال في اتجاه أن يقوم بأدواره التواصلية و الثقافية بشكل بعيد عن الانتهاكات الأخلاقية و القانونية التي اصبح يعج بها هذا المجال .

3 – هناك مواضعات سوسيوثقافية ونفسانية وبيداغوجية، تنحو وضع استراتيجيات متعددة للحد من النأثيرات السلبية التي تنتجها شبكات الأنترنيت على العقلية التعليمية التعلمية، ومجتمعنا بصفة عامة؟ ماذا تقترحون بهذا الخصوص؟

ج – تطرقنا فيما سبق لأهمية المقاربة القانونية و الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة ، لكن رغم جوهرية هذه المقاربة، فإنه يمكن القول أنها تبقى لوحدها غير كافية و يتطلب الأمر ايجاد مقاربة شمولية متكاملة و مندمجة، من أجل وضع حلول كافية وقائية و علاجية للانتهاكات اليومية، التي تحدث في منصات التواصل الاجتماعي أو ما اصبح يسمى بالإعلام الجديد . لذلك فإنه إضافة الى التأطير القانوني و الأمني لهذه الظاهرة يجب أن يتم تأهيل الآليات الفعالة والحاسمة لتطبيق هذه الاستراتيجية الامنية القانونية ، و لكن أيضا ينبغي أن يتدخل فاعلون آخرون في عملية المواجهة و الحرب على الفوضى و الخطورة التي تترتب على استعمال التكنولوجيا الجديدة بشكل مبالغ فيه، في جميع مناحي الحياة . و لذلك تبقى المقاربة التحسيسية ذات أهمية كبيرة ، سواء من خلال التحسيس الذي يمكن أن يقوم به الإعلام غبر وسائطه المتعددة ، أو التحسيس عبر المؤسسات التربوية و التعليمية و دور العبادة دون ان ننسى مسؤولية الأسر في فرض رقابة تهذيبية على أبنائها في هذا المجال . كما يفرض الأمر إيجاد تنسيق بين الأجهزة الأمنية للدول و بين ادارات الشركات العملاقة التي تمتلك هذه المواقع و التطبيقات، و التي تتوفر بناء على ذلك على قاعدة كبرى من البيانات و المعطيات التي تمكن الدول من فرض رقابة حازمة على الأشخاص، الذين يستعملون شبكات التواصل الاجتماعي بشكل غير قانوني و غير أخلاقي .

*عن موقع؛ كش بريس ؛ نشر الأربعاء 19 غشث 2020

 

Loading...