الصفحة الرئيسية

للإعلان هنا header

قراءة: أبونواس وأحمد التيفاشي في شذريات رولان بارث

يوسف خليل السباعي

من بين الأسماء العربية التي يرد ذكرها في كتاب ” رولان بارث بقلم رولان بارث” السير ذاتي، ( والذي نشرت شذرات منه بجريدة العلم)، نجد كلا من أبي نواس وأحمد التيفاشي الذي استفاد، بلا أدنى شك، من نصوصهما وكتاباتهما، الأول من خلال فكرة ” الاستعارة”، والثاني في إطار اطلاعه على مؤلفه الموسوم ب ” مباهج القلوب”.

وجدير بالذكر أن أحمد التيفاشي الذي جاء إسمه في كتاب رولان بارث هو التيفاشي ( شهاب الدين): ولد في تيفاش بالجزائر، رحل إلى مصر ودمشق، توفي عام 1253، وله “أزهار الأفكار في جوهر الأحجار”، وفيه وصف 25 نوعا من الأحجار الكريمة. ولعل هذه الشذرات تؤكد مدى اعتناء رولان بارث بالثقافة العربية، من خلال بعض الأسماء الشعرية والعلمية، وكذا من خلال بعض الأقوال العميقة لعلماء العرب وعشقه لبعض الفضاءات المغربية والعربية على حد سواء… ففي شذرته المعنونة ” أبونواس والاستعارة” يقول بدقة: ” إن الرغبة لا تتحيز للموضوع.

فعندما ينظر داعر ما إلى أبي نواس، فأبو نواس لا يقرأ في نظرته رغبة المال – وإنما الرغبة القصيرة تماما- ولذا فإنه يتأثر. إن هذه تصلح خرافة حكمية لكل علم من علوم التحوير: فلا طائل في المعنى الأبعد ولاجدوى من حدود المسافة: إن ما يهم في حسابنا وحده ويؤسس الاستعارة – هو التحوير نفسه(ص: 127). أما في الشذرة ( الثانية) الموسومة ب ” التحديد التضافري”، فإنه يقول بانتباه: “هكذا يصف أحمد التيفاشي ( 1184-1253)، مؤلف “مباهج القلوب” قبلة داعر: إنه يغرز لسانه ويحركه في فمك بعناد. فلنأخذ هذه من أجل برهنة سلوك محدد تضافري، ذلك لأن داعر التيفاشي يستمد من هذه الممارسة الإيروسية، المطابقة نوعا ما، حسب الظاهر، لوضعه الاحترافي، ثلاثة مكاسب: فهو يبرز علمه بالحب، ثم صيانة رجوليته، ومع ذلك، فإنه يجازف بجسده، حيث من خلال هذا الإطباق، يرفض الداخل، فأين هي التيمة الأساسية؟ إن هذا موضوع غير معقد ( كما يقول الرأي الشائع بقلق).

بيد أنه مركب ( كما قال بذلك فورييه)… ( ص: 172).

وإذا كان رولان بارث، في هذا الجانب، يقرب بعض الأفكار للقراء، – كيفما كان نوعهم- بواسطة استمدادها من مصادرها العربية المحددة، فإننا نجده، في مستوى آخر، يدافع عن الشخصية العربية بطلاقة، ومن هذا المنطلق نقدم هاهنا شهادة للروائي الليبي صالح السنوسي ، حيث يقول بجودة: ” لقد كتبت في السبعينات بعض النصوص بالفرنسية وربطتني علاقة بالمبدع الفرنسي الكبير رولان بارث قبل وفاته حينما كان يلقي محاضراته في السوربون، وكان يطلع على بعض من هذه النصوص، وأذكر انه قال لي ذات مرة: اسمع يا صديقي إن نصوصك هذه قد لا تجد من يتحمس لنشرها، وقد تجد صعوبة في أن يتعاطف معها القارئ الفرنسي والسبب في ذلك كله هو أنك تقدم الشخصية العربية في صورة تتناقض كثيرا مع تلك الموجودة مسبقا في ذهنية المتلقي الغربي والفرنسي بوجه خاص عن الشخصية العربية، ولهذا، فإن صورة أخرى مغايرة لذلك تعد بالنسبة إليه استفزازا وتشكيكا في مكتسباته المعرفية التي حسب ظنه لا يرقى إليها الشك، ولذلك فإنه يرفضها ويهمشها..”. وهذا، بالفعل، هو رولان بارث الذي تدل عليه كتاباته وأقواله الصادقة والصادرة، بلا رياء، من أعماقه.

Loading...