الصفحة الرئيسية

تشظيات

يوسف خليل السباعي

سنة 1988

في هذه السنة ( 1988)، حصلت على الإجازة في الأدب العربي، والحالة هذه، أنني كنت وحيدا، ولم يكن معي إلا كتبي، وخاصة كتب رولان بارث التي كنت أترجمها من الفرنسية إلى العربية، وكنت أشتري هذه الكتب من مصاريف المنحة الجامعية، وكانت تعجبني العزلة، لكن ليست عزلة مارغريت دوراس، عزلة غير محظورة، عزلة كانت تدفعني للقراءة والترجمة، ولم أنشر ترجماتي البارثية إلا في سنة 1990 في جريدة العلم التي كان يرأس تحريرها عبد الجبار السحيمي رحمه الله.
وماقبل سنوات الجامعة، أين كنت؟!…
كان عالمي مملوءا بالقراءة والكتابة والسفر والمتعة والبحر والتمرد والمشي، وأشياء أخرى.
وإذ أتذكر الماضي، الشاسع، والمنفلت، أرى وجه مدرسي الفرنسي كالبو الذي كان يحثني على قراءة الروايات بالفرنسية، ومن هذه القراءة تعلمت، وعندما أذكر الماضي أعود إلى طفولتي حيث( السهوا) العامرة بكتب الأب: هاهو السلم الذي كنت أرتقيه لمعانقة الكتب، وهاهوصوت أمي: أين أنت يايوسف؟!
أنا المختبئ هناك في ذلك المكان البعيد … البعيد… كأنني في جوف أمي قبل الولادة.
أنا طفل القراءة، وجوهر الكتابة.
وإذن، من علمني القراءة؟!…

كيف تهزم الوحش!

هزيمة الوحش ليست في مجابهته!
إن هزيمته في أن تجعله يفترس نفسه!
ماذا ستفعل عندما يهاجمك!؟
لابد لك من مراوغته بذكاء!…كأن تراقبه من بعيد! أو أن تختفي من المكان الذي يوجد فيه، ومن الأفضل أن تجلب مرآة وتختفي وراءها.

كم سيكون المشهد مرعبا، مؤلما، ومضحكا في آن معا حين يري الوحش وجهه القبيح في المرآة.
آنداك سيعرف حقيقته!
ياللسخرية!

وحش يصارع نفسه، وعندما يهاجم المرآة ستنكسر وتجرح شظاياها جسد الوحش، فيما تكون أنت قد اختفيت!

عيون رمادية!

عندما نفتح أعيننا على شساعتها، لايعني هذا أننا نرى ما يوجد أمامنا من أشياء أو كائنات، إننا بفتح الأعين، نستحضر الوعي، وهذا ما ينقصنا.

إننا، وبكلمة واحدة، نفتح أرواحنا لنستمر في الحياة، لكن عيون هذه المرأة الرمادية المتسعة فيها لمسات من الحزن. إنها عيون رمادية.

الحزن هنا يأتي ليس من العيون، ولكن بوضع الأيدي على الخدود كما لو أنها ( أي المرأة) تخبأ عنا جزءا من وجهها، وخدود المرأة لينة، وفيها نداء.

النداء هنا مخبوء، لا نفس فيه، ولا صوت.

أتذكر لوحات موديغلياني… كان هذا الفنان لا يبرز عيون المرأة إلا قليلا، بل وحتى حبببته، لم يكن يبرز في اللوحة عيونها، وقبل أن تصعد روح هذا الفنان إلى السماء رسم لوحة لحبيبة عمره بعيون مفتوحة، زارعا فيها الروح.

إن العيون المفتوحة أرواح، لكنها في لوحتنا هذه رمادية.

1- فرنسيون في سبتة!

الفرنسي في سبتة لايتكلم بتاتا الإسبانية. وهذا يعني أنه يعتز بلغته الفرنسية، ويعتبر الإسبانية لسانا مجهولا كمثل اليابانية!
لربما، يجهل اللغة الإسبانية!
في “أولسيس” بسبتة جاء وفد فرنسي يرغب في تناول أكلة، لم يقرأ أحد منهم لا ئحة الطعام. جاء النادل، لم يفهم مايريدون تناوله من طعام، هو في الأصل لا يتكلم اللغة الفرنسية. طلب أحدهم أكلا فقط. طبعا بالنيابة عن الوفد الفرنسي. النادل جاء بالطعام، لكن الفرنسي قال له:” لا نريد هذا الطعام”… لم ينبس… النادل. وعاد إلى البار.
اكتفى الفرنسيون باحتساء البيرة وغيرها، وغيروا المكان!
كنت، حينئذ، أراقب حمامة تتبعهم. لربما، كانت ستعلمهم الإسبانية، فهي، بطبيعة الحال، سيدة المكان!
في هذه اللحظة، احتسيت كأسي المذهب، وعدت للتأمل في هدوء!
لأقفل المشهد!

2- حمام الحب في سبتة!

في سبتة ثمة أرواح هادئة، تتمشى في السنطرو لا أحد يزعجك، لايكذب عليك أحد، لايخونك، لايسرقك، لاينافقك، لايغتابك، ولاينصب عليك، رجال ونساء و أطفال من كل الأعمار يتجولون، يتكلمون، مايميز الإسبان أنهم لايتعبون من الكلام، اللسان سلاحهم، وهذا اللسان ليس مجهولا بالنسبة إلي، إنه ليس كاللسان الياباني مجهول.
شوارع نظيفة، مقاهي جميلة، أدخل إلى مقهى وحانة أو لسيس بعد وجبة سمكية لذيذة، هذه هي المقهى والحانة المفضلة لدي في سبتة، مايروقني فيها هو تلك الحديقة المقابلة لها بنافورتها التي ينسكب منها الماء بشغف، ماء يطهر الأرواح، والحمام الذي يتجمع حولها ناشرا السلام والحب.
قلبي يرتجف.
كان الحب، هنا.

3- سبتة في عيد الأموات

هل الكل اليوم في حداد في سبتة!؟..،
ليس الكل، فبرغم إغلاق بعض المحلات التجارية الكبرى لأبوابها، إلأ أن الأخرى مفتوحة، وكذلك بعض المحلات التجارية الأخرى.
هناك حركة السيارات، بعض العابرين، الحافلات أيضا، وسيارات الأجرة، لكن مايشد الإنتباه أكثر، برغم أن اليوم هو يوم عيد الأموات، هو الهدوء،.
هاهم آتون بعض الأفارقة بشرابهم، وهنود، وإسبانيات حسناوات، ومغاربة، يبدو على محياهم الإرهاق.
ومن قرب جامع يبنى، ومركز المدينة مسافة، أعرج على البحر، ميناء شاسع، وفي الأفق الأزرق سفن، وهاهي باليريا تمخر زربية البحر الهادئ متجهة صوب الجزيرة الخضراء.
وأنا تكفيني الإبتسامة، والحدائق، ومرافق أخرى، وأنا متجه صوب مركز المدينة، حيث أبحث عن حانة: U.C. أحتسي الآن” ماهو” باردة، وأرمق في سكون نافورة حديقة، يتجمع فيها حمام ويجول وسطها كلب مدلل.
لغط بالأسبانية، ونادلة تقدم للزبائن الشراب بمختلف ألوانه.
وأنا وحيد، أرمق العابرين، وأفكر في ابتسامتها، وأنتظر.
لعل عيد الأموات يندثر!

مهمشون يأكلون من صناديق القمامة

شاهدت هذه الأيام عدد من المهمشين، الذين يتيهون في الأرض، يأكلون من صناديق القمامة المبعثرة هنا وهناك.
لا أحد يشعر بهذه الفئة من الناس، بل هناك من يعتبرهم حيوانات.
لا تتكلموا عن المهمشين والفقراء، لا حق لكم في تصويرهم أو نشرهم على صفحات الفيس بوك، والتفرج عليهم، وأنتم تأكلون في اطباق ناعمة، ولا تشعرون بالبرد، و تحلمون بانتفاخ ثرواتكم المزيفة.
يا أصحاب الجيوب العامرة، والعقول الفارغة.

السكين والدواء

ملمس السكين ناعم، لكنه، عند الاستخدام يقطع، ويجرح، وكذلك بعض الناس يبرزن لك النعومة، وعندما تقترب منهم يجرحونك.
أنا هنا، ياسادة، لا أتحدث عن نفسي، أتحدث عن أشياء عامة، هي فقط الكلمات والجمل التي تتسارع كحد السكين. أما الفكرة، فهي واضحة كالشمس.
أما الدواء، فمن البديهي، أنه في حالات، وتذوقات، هو مر، لكنه، مع ذلك، يشفي.
كل واحد منا سيأول ماكتبته هنا بفهمه الخاص، وطريقته الخاصة، فقط ينبغي أن يكون فطنا، وذكيا، أما الغبي، فلن يفهم أي شيء… لأن الأمر أكبر من أي سكين أودواء.
إن الأمر يتعلق ببساطة بكلمات كبيرة كالسعادة والفرح والحزن والحب والكراهية وتفاعلاتهما وتشاكلاتهما. وفي آخر المطاف، أترك لكم قبلاتي، وعلامات…عليكم سدها، إن استطعتم.

بياض المقبرة

بياض تمسكه الأيدي يغلف جثمان امرأة لا أعرف ملامحها.
شيء مايحدث داخل القبر. ماهو!؟… لا أعرف.
جثمان المرأة لا يشاهده أحد؛ بيد أن الكل ( الجمهور) يتخيل ذاته داخل القبر عاجلا أم آجلا…
حجارة تتكوم على القبر بعد دفع البياض…
حركة… عيون متربصة… وقلوب مرتجفة…
يأتي الإسمنت ليلقي تحيته… رواح وإياب…
العيون تغادر مغاراتها… متاهات…
هاهو التراب… لاشيئ غير التراب…
” أيها المعتوه! لا تنزل… لا تلمس التراب… إصعد… فقط… إصعد…” يقول صاحب التراب.
لاشيء غير التراب…
جثمان المرأة وحيدا في القبر.
أين هي العيون!؟
لقد غادرت المقبرة…
وحده البياض يعود…؛ لكنه يعود للجلوس فوق المقابر في سكون.

لماذا الموت أبيض عندنا وأسود عندهم?

لاينزعج أحد، لأنني أتكلم عن الموت!
فالموت هو الشيء الغامض، الذي لانقدر على مجابهته، إنه كالشمس في رواية ” الغريب” لألبير كامي.
هذه الرواية تبدأ بموت الأم، وتنتهي بإعدام مورسول .
ماذا تعني الشمس: الغروب، والغرابة والنور، والنور بياض.
وعندما تغرب تشرق في جهة أخرى لانعرفها، ولكن يحل الظلام ويسطع القمر الذي يشع وسط السماء. بياض في النهار: الشمس، وبياض في الليل: القمر، ولولا القمر لحل علينا سواد جسيم
هذا السواد هو القبر، لكن في عمق القبر يكون البياض: بياض لحاف الجثمان.
في المقبرة في تطوان، كانت ( أ) تبحث عن قبر أبيها، بحثنا ولم نعثر عليه، ولكن بعد اتصال بأحد الأشخاص، قال إنه يعرف مكانه، ولابد من الاتصال به لاحقا.
ما أثارني في المقبرة العامرة ليس الموتى، ولكن البياض الذي يغلف القبور: نغمية اللون الأبيض الذي يحيل إلى الحليب، الذي هو علامة على التوازن.
الموت يتكلم معنا من خلال هذا اللون، ويسكننا، وبه نغلف الجثمان، لون أبيض كثوب العروس في زفافها، لون يحيل على الفرح والموت معا: عندما تغادر العروس منزل والدها تموت، ولكنها تفرح بولوج منزل زوجها، كذلك الموتى هنا في المقبرة جثمانهم في الثرى، وأرواحهم عند الله.
من جهة أخرى، في أوربا حتى لانذهب بعيدا، السواد، أو اللون الأسود هو علامة على الموت، لون القس أو الكاهن، ولكن ذلك يختلف حسب الديانات، غير أن التركيز على اللون الأسود يحدد حكاية الموت عندهم عبر التاريخ.
بياض عندنا وسواد عندهم، والموت واحد.
أبحث عن روحها في المقبرة، فقط أتذكر كلمتها: ” الله يهديك”.
لن أنساك،.
لقد تألمت كثيرا.
قبل موتها، قالت لي: ” يوسف، أجد صعوبة في التنفس”.
روحها في الأعالي، ولكن قبرها غصن زيتون.

في وداع الطيبة عشوشة

ودعناك اليوم الأخير من 2016 بالمقبرة والقلب ينزف دما. انهال عليك الثرى ياسيدتي العطوفة، يا أمنا الثانية.
عشوشة الحسوني كانت تستقبلنا في منزلها كأبناء لها.
سيدة حنونة، كريمة، رقيقة المشاعر.
أحبتنا من قلبها.
وهي تتمنى الخير للجميع.
كان إبراهيم يسبقنا إلى المقبرة، وفي قلبه ارتجاف، وعصفور وديع.
هل يعرف أن عشوشة رحلت، قديعرف، ولكنه يبتسم.
معذرة…
لاأقدر على مواصلة الكتابة، فقلبي يرتجف.
تمر أمامي فقط أجنحة ملائكة، واخضرار قلبها كغصن الزيتون، وأتذكر كلمة العهد بيني وبين من أحب.

الشاعر يحرس ورد الشهداء

* المقبرة

لا أحد صدق أن الشاعر نهض من قبره، نفض عن جسمه كل التراب، كل الغبار. راح يفتش عن صديقه في أرض اغتصبوها عنوة، حاصروها بكل معداتهم، آلياتهم وأكاذيبهم، ومع ذلك هي أرض منجبة، ولما عثر عليه، قال له بحب:

“يا صديقي
أرضنا ليست بعاقر،
كل أرض ولها ميلادها،
كل فجر وله موعد ثائر”.

* الغيم

وقبل أن يودع صديقه، كان غيم يرافق خطواته الرفيقة على الأرض الحانية، في كل دروبها، وشوارعها، وفي كل نقطة فيها قطرات من دم وجرح ودمع وألم.

“يا دروب ! يا سحاب !
قولوا لها : لن تحملي الجواب
فالجرح فوق الدّمع
فوق الحزن والعذاب”.

* الدم

لا يقف الشاعر عند أي درب أو شارع أو نقطة إلا ويرى الدماء المستشرية، والأجساد المحروقة، لا يقدر على النظر.

ولكنه يتحمل… يتحمل بقسوة. يقول في سره: “كل هذه السنين من الاحتلال والعذاب والقتل والتدمير، ولم يشبع الوحش من دمنا، كل صباح يريد المزيد من الدم، ولا يشبع، ولم يتبقى لي سوى أن أحرس ورد الشهداء”. ورفع الشاعر وجهه صوب السماء، وقال:

“فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص و انصرفوا
وعلينا نحن أن نحرس ورد الشهداء
و علينا نحن أن نحيا كما نحن نشاء”.
و ليس كما يشاء الوحش.

وداعا محمد بن عزوز حكيم

في المقبرة ( 2 شتنبر 2014)

أمشي تحت لهب الشمس مع الجموع، التي رافقت تشييع جثمان الكاتب والمؤرخ المغربي محمد بن عزوز حكيم.

أمشي بين القبور، أقرأ بعجلة أسماء نساء ورجال غادروا الملكوت مكتوبة على شواهد القبور، أتابع المشي، أبتعد قليلا عن الجموع، وأنظر إلى القبر، الذي سيدفن فيه محمد بن عزوز حكيم، ليس واسعا كما فكره، ولكنه يتسع لجثمانه.

بعجلة متنبهة يتم إخراج جثمان المؤرخ من المحمل ويتم وضعه داخل القبر، ثم، بلا انتظار، شرع حفاروا القبور في تغطيته بكثافة بالتراب الأسود. وبعد قراءة آيات من القرآن الكريم، أخذ الكلمة المؤرخ مولاي علي الريسوني الذي قدم سيرة مقتضبة للرجل الذي اشتغل على الوثيقة بشكل حكيم، ودافع عن القضايا المصيرية للوطن، وكان محبا للملك محمد السادس إلى غير ذلك من الكلام المؤثر في القلب والنفس في آن معا. بعد ذلك، تفرق الجميع.

مات الرجل الحكيم، لكنه ترك أثرا، ترك كتبا ومعرفة ومكتبة زاخرة، كما ترك وثائق مهمة يمكن الاستفادة منها من طرف الباحثين المهتمين.

وداعا محمد بن عزوز حكيم. ليرحمك الله.

Loading...