تشظيات

يوسف خليل السباعي

بذور السماق!

علي الآن أن أتناول بذور السماق فائدتها كبيرة ومهمة، وأنا لن أتناولها بفمي، بل بعقلي لأتمكن من القضاء على الفطريات، والجراثيم، والميكروبات الآدمية الموجودة في مجتمعنا المريض، والتي تأكل عرق المقهوين، وتسرقهم، وتستغل ضعف الأبرياء ..
هذا لايساعد أكثر، بل إنه يقوم مقام ثروة تسرق.
وماذا يعني أن يفتح كل من كانت له مشكلة مع وزارة، أو مؤسسة، أو قسم، أو مصلحة، أو مستشفى،( إلخ،) فمه بالفضح والكشف ونشر الغسيل!؟…
غالبا يكون منها…
إنه أمر أصبح منشورا على الهواء، وبواسطة العالم الأزرق. ومن هذا المنطلق، يجب طرح هذا السؤال:
أليس هناك شيئ إسمه ربط المسؤولية بالمحاسبة؟… ومن سيحاسب من؟…
الثروة… من أين لك هذا… أعط نعط… قهوة… غني لي ونغني لك.
ياحلاوة!

لاتجعل أحدا يسقطك!

لاتجعل أحدا يسقطك.
لاتنهزم!
ابحث عن موقع قوة للوقوف
وتمشى…
لاتقف!
تأمل خطاك!
ثمة ضوء القمر
وقيثارة
ولوحة لإمرأة خالبة!

*****

ماذا يعني أن تكون في الوسط!؟

في المسرح السياسي هناك اليمين واليسار والوسط.
أن تكون في الوسط يعني أن تكون متلاعب بك، فلا أنت مع اليمين ولا اليسار، لأشرح: هناك من يأكل بيده اليمنى، وهناك من يأكل بيده اليسرى، والأكل هنا رمزي، فأنت لا تأكل جلبانة، جرب أن تأكل الجلبانة بيدك اليسرى، ماذا سيقع لك، ينبغي أن تستعمل الملعقة لضبط حباتها، أما باليمين، فإنك ستضبط الجلبانة وأمها، وأصحاب الجلبانة لاحصر لهم.
في الوسط لن تأكل. كيف ستستعمل يدك أو أصبعك، فليس هناك يد وسط، بماذا ستأكل والحالة هذه!؟…. من المحتم ستأكل بأياد أخرى.
أياد فوقية!
هاهنا ديماغوجية الوسط، فالوسط تابع، درامي.
في المسرح، لا أتكلم هنا عن المسرح السياسي، عندما يتكلم معنا الممثل في وسط الركح، وتسلط عليه الإنارة، إلى ما ينظر!؟… تعتقدون أنه ينظر إليكم، أنتم الجمهور، لا أبدا، إنه ينظر إلى الداخل، إلى الكلام الملقن له، أي إلى القلب، وهاهنا تنبجس الدراما.
في الوسط داخل المسرح تلعب الدراما دورها، ويصبح الممثل مؤثرا، لكنه يتحرك لا لذاته، يحركه عالم فوقي، وهذا العالم الفوقي، يوجد وراء الكواليس، إنه المخرج.
وإذن، فالوسط يتحرك بدافع، بمايوجد في الفوق، في الخارج، إننا لانراه، ولكن نحس بظلاله.

*****

دردشة مع جاكوب!

عندما نشرت صورة لي في المقهى، دخل على الخط جاكوب، سألني: لماذا نشرت هذه الصورة أصلا!؟… فقلت له: لن تفهم. فسألني مرة أخرى. لماذا!؟… هل بوسعك أن تفسرلي إذا كان ممكنا!؟… فكان جوابي كالآتي:
“إذا نشرت صورة لك، فالصورة التي التقطتها في مكان ما، هي صورة ميتة، هي صورة اللحظة، بمعنى أنها صورة جامدة، هي لاتحدد حياتك، وإنما تحدد جزءا من جسدانيتك، والمكان الذي كنت فيه، ما أن تنتهي اللقطة، وتنشر الصورة، تختفي أنت، وتبقى هي، لكنها بآنيتها تنتمي إلى الماضي، فأنت كنت هناك، والآن لم تعد توجد، إن الصورة هي غياب في الحضور، وحضور في الغياب”.
هل فهمت الآن ياجاكوب!؟…

*****

النائم!

كم واحد منا يحلم بأن ينام مثل هذا الرجل المسن، الذي أنهكه كدح الدنيا.
إن الناظر لا يعرف شيئا عن هذا الشخص، وحتى من التقط الصورة.
هل هو صاحب” العربة” أو ” الكروسة”؟…، أو فقط أن الرجل كان مارا بتلك المنطقة، وبعد عمل شاق وجد تلك العربة الصغيرة، فارتمى في حضنها، ونام.
إننا لن نتلقى على وجه التحديد أي إجابة. ولكن يبق السؤال: كيف يمكن قراءة الصورة؟!…
الرجل مسن يحمل على كاهله، بطريقة نومه، شقاء العالم. لباسه بسيط دال على فقره وعوزه. وجهه مرفوع إلى الأعلى، ما يعني أنه غائر في النوم كمثل أصحاب الكهف، وقد يظل هناك داخل العربة نائما لسنين من دون أن يوقظه أحد. والأعلى هنا رمز للسمو، للتحليق، ولذلك الغموض الذي لايمكن المسك به: ذلك الملغز الذي يحير العقل.
في الصورة أيضا نر الرجل المسن مجمعا يده، ما يعني أن الرجل قليل البوح، وأنه متقوقع على نفسه، وقد يكون يشد على بطنه من شدة الجوع. والحقيقة أن هناك فقراء في لحظات الجوع المؤلمة كانوا يمسكون ببطونهم، وذلك لتلافي الوجع، وألم الجوع.
ولابد أن نشير إلى ذلك الفم المفتوح، الرجل فاغر فاه، وهو نائم، ليس عبطا، أوغباء، أو دهشة، أولإخراج الهواء، أو للنطق. إنه يفتح فمه الآن في لحظة نوم، يعبر فيها على ما يدور في أغواره، في لاوعيه، كما لو أنه يتنفس. ذلك أنه من شدة الإنهاك والكدح والقهر والعوز يغدو الإنسان رقما من الأرقام، وهنا إحالة على السجين، أو مستخدمي بعض الشركات، أو البطاقة التعريفية،لايتم الإكتفاء بالإسم الشخصي، الذي يدل على هويةما، إنما يغدو الإنسان رقما به يمكن ضبطه وإحضاره. فأمام اختلاط الأسماء، يغدو الرقم هو الحل، فالإسم يتبخر، يختلط، يهرب، يمارس اختلافه، الإسم مفتوح، أما الرقم فهو مغلق. وهكذا يتحول الرجل المسن إلى رقم من الأرقام، له هوية، لكنه غير معترف به، إنه يؤدي خدمة، وعليه أن يكون مطيعا، في وضع المأمور لا الآمر، وضع العبد لا السيد، أو آلة ضمن الآلات” شاهد فيلم ليطون موديغرن لشارلي شابلن”.
وإذن، الصورة تفضح واقع الشقاء الذي يفترس الناس والعالم، وتحدد الإنسان في العالم كرقم أو كمية مهملة، أوشيئ شأنه شأن الكرتون الذي يتخذه وسادة.

*****

الأفاعي والطير!

إن الأفاعي تبدل جلدها كما تبدل الريح اتجاهها.
و من يبدل جلده لاأصل له ولاروح.
وهكذا يبدو أن سلاح من لا أصل له هو السم!
والسم مميت.
وسم الأفاعي له وقع الريح، والريح لايمكن الإمساك بها.
الريح بيضاء في المظهر وسوداء في المخبر.
إنها كمثل ساحرة عجوز تداعب جسدا جميلا لفتاة غجرية!
الريح جلاد!
يحكي أحدهم أنه في زمن بعيد أمر طاغية كان يستعد للذهاب لرحلة أحد جنوده بالإعتناء بطيره وبمنحه الماء.
وفي ليلة غاب عنها القمر، راح الجندي في سبات ونسي أن يمنح الطير الماء فمات الطير من العطش، وعندما عاد الطاغية من رحلته كشف الأمر، فأمر بسجن الجندي ومنع عنه الماء فمات في السجن!
وهكذا مات الجندي من العطش من أجل طير!
هل كان الطير يعرف أن ذلك الجندي مات عطشا من أجله!؟…
لا لم يكن يعرف. ولكن الطاغية كانت بيده سلطة الحكم والقرار!
من يملك القرار يحرك الريح، ويغتال بالسم، ويميت من العطش ولوكان الأمر يتعلق بطير!

Loading...