سرديات: برونو بتلهايم… في التحليل النفسيّ للحكايات الشعبيّة.. قـرن كـامـل مـن التحلـيـل الـنفسيّ!

د. ضياء عبدالله الكعبيّ *

يقارب عمر التحليل النفسيّ المائة عام، وهو الاتجاه الذي أسّسه الطبيب النمساويّ سيغموند فرويد (1856-1939) الذي يُعد أحد أبرز المفكرين المؤثِّرين في القرن العشرين. لقد استوحى فرويد أسس نظرياته النفسيّة الكبرى من الميثولوجيا الإغريقيّة، ومن الآداب الغربيّة الوسيطة، وكذلك من الأدب العالميّ المعاصر: «أوديب ملكًا «لسوفوكول، و«هاملت» لشكسبير، و«الإخوة كرامازوف» لدستويفسكي؛ وجميعها أساطير وسرديات عالميّة مؤثِّرة كانت مجالاً لتأويل فرويد في قراءاته التحليليّة. وترتكز هذه القراءة التحليليّة النفسيّة على ممارسة محدَّدة من التأويل، وهي ممارسة متعلقة ببنية العمل الأدبيّ المقروء؛ إذ يجد الناقد نفسه محصورًا بين صاحب الخطاب المؤول ومتلقي التأويل (العمل المقروء)؛ أيّ بين الكاتب وقارئ العمل النقدي.
لقد كانت نظرية التحليل النفسيّ التي ابتكرها فرويد مجالاً لاشتغال عدد من الباحثين الغربيين الذين شغلتهم نظرية فرويد اقتفاءً وتفكيكًا: برونو بتلهايم، وجاك لاكان، وجوليا كريستيفا، وشارل مورون، هم أبرز الاسماء المشتغلة على تفكيك خطاب فرويد التحليليّ النفسيّ، ولكن يبقى الطبيب النمساوي برونو بتلهايم (1903-1990) التلميذ والمريد المخلص الذي استوعب نظريات فرويد وتمثّلها في كتابه «التحليل النفسيّ للحكايات الشعبيّة». لقد انطلق بتلهايم في هذا الكتاب من مرجعيات هي سرديات شعبية عالميّة: «ألف ليلة وليلة» أو «الليالي العربيّة»، و«مجموعة» حكايات البيوت والأطفال «للأخوين غريم»، ومجموعة الدنماركي هانز كريستيان آندرسن وغيرها من السرديات الشعبيّة العالمية. ولذلك يشتمل كتابه على موضوعات تأسيسيّة عن فائدة المخيّلة من خلال الحياة المكتشفة من الداخل، والخوف من الخيالي، واستعلاء الطفولة بمساعدة التخيّل وغيرها. لدى برونو بتلهايم» كلّ حكاية شعبيّة هي مرآة سحرية تعكس مظاهر محدّدة من عالمنا الباطني (…)، وكلّ قصة تعكس مظهرًا من مظاهر التطوُّر الداخلي للإنسان». لقد استلهم بتلهايم ألف ليلة وليلة من خلال الحكاية التأطيرية الكبرى (قصة شهريار وشهرزاد)؛ إذ تمثّل شهرزاد (الأنا الأعلى) في حين يمثل شهريار(الهو)، ويحتاج شهريار إلى ألف ليلة وليلة من السرد كي يصل إلى تحقيق التوازن الذي فقده بفعل خيانة زوجته الأولى. وفي حكاية (الصياد والجني) يحقّق الطفل الصغير الاستعلاء على العالم كلّه من خلال ذكائه؛ إذ يكون هو الصياد الذكي الذي استطاع خداع الجني العملاق وجعله يعود مرة أخرى إلى قمقمه.
ربّما يُعد الآن كتاب برونو بتلهايم «التحليل النفسيّ للحكايات الشعبيّة» الآن واحدًا من أبرز أدبيات مرحلة التحليل النفسيّ التي كانت سائدة في العالم في العقود الأولى من القرن العشرين. ولكن مع ذلك لا يزال هذا الكتاب بالذات من أفضل التطبيقات الأدبيّة الخاصة بنظريات فرويد في التحليل النفسيّ، وشاهدًا وبعمق على حجم التأثير الذي أحدثه فرويد في عقل مريده المخلص برونو بتلهايم الذي لم يفكّك خطاب فرويد، واكتفى باستيعابه وتمثّله في نتاجه، وإذا كان فرويد قد اشتغل في كتاباته على «اللاوعي» ممثلاً في الأحلام (كتابه «تفسير الأحلام» أنموذجًا مهمًا)؛ فإن برونو بتلهايم جذبته عوالم السّرد الشعبيّة، وانطلق من خلالها يحلل، ويقارن مستلهمًا نظريات فرويد بوصفها مرجعياته الفكرية والنقدية التأسيسيّة بحثًا عن المتخيّل الذي يتحكم في مساراتنا!

‭{‬ أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد-
كلية الآداب جامعة البحرين.

Loading...