المغرب في أعمال لوكليزيو: رحلة في صحراء الذات

نجيب مبارك Najib Mobarek

ما يزال جون – ماري جوستاف لوكليزيو (1940) إلى اليوم يتذكّر تلك الرحلة التي قام بها إلى المغرب في عام 1953، بصحبة والده الطبيب الفرنسي المقيم في نيجيريا والمناهض للاستعمار: “عندما كنت صغيراً، جئتُ لزيارة المغرب برفقة عائلتي. كان ذلك أوّل احتكاك لي بعالَم مختلف وقريب في آن. كان والدي يريد أن يطلعنا على مساوئ الاستعمار فجاء بنا إلى المغرب”. كما لا ينسى التّذكير، في كثير من حواراته، بما يدَين به لزوجته المغربية جْميعة، المنحدرة من إحدى قبائل الصحراء المغربية، والّتي تعرّف عليها في الرباط خلال منتصف السبعينيات، وأنجز بالاشتراك معها كتاب رحلات وفوتوغرافيا بعنوان “ناس الغيوم”، فيه وصفٌ لرحلة قاما بها معاً إلى مسقط رأس زوجته وعوالم طفولتها في جهة “السّاقية الحمراء”.

فور عودتهما من هذه الرحلة، كتب لوكليزيو رواية قصيرة مستوحاة من أجواء وذكريات الصحراء بعنوان “الشّيخ الأزرق”، تستلهم سيرة شيخ صحراوي يقود تمرّداً على السلطة الاستعماريّة، وهي قصة لم تنشر ضمن أعماله، لكنها ستوفّر لاحقاً المادّة الخام لروايته الكبرى “صحراء”، الصادرة عام 1980، والتي تُعدّ من بين أفضل رواياته بحسب آراء عدد كبير من النقاد، حيث أنّها حازت جائزة الأكاديمية الفرنسية في العام نفسه، وتُرجمت إلى لغات عدّة، من بينها العربية، كما حظيت بإشادة خاصّة من طرف الأكاديمية السويدية، الّتي منحت لوكليزيو جائزة نوبل للآداب عن مجمل أعماله في عام 2008، باعتبارها رواية تُقدّم “صوراً رائعة لثقافة ضائعة في صحراء شمال أفريقيا”، بحسب التعبير الذي جاء في بلاغ اللجنة.

لوكليزيو و”الدائرة المغربية”

هل يمكن، إذاً، الحديث عن لوكليزيو باعتباره كاتباً فرنسياً ذا مرجعية مغربية، بحكم استلهامه المغرب في كثير من أعماله؟ هكذا تساءل الناقد عبد الجليل الحجمري ذات مرّة، في سياق كتابه “المغرب: الساعات الفرنسية”، ولم يتردّد في الجواب بنعم. إذ يكفي أن يعود القارئ الحصيف إلى رواية لوكليزيو “صحراء”، بكثافتها الروحية والعاطفيّة ورحابة رؤيتها السرديّة، ليقف عند واحد من التحوّلات الكبرى لحضور المغرب في الأدب الفرنسي. فهي رواية تُدخل القارئ منذ البداية في عالم غنيّ بالمشاعر، والطقوس، والروحانيات، يتناوب فيه استدعاء ماضٍ ملحميّ مع وصفِ حاضرٍ أليم ومُثير للشفقة. لكن مع النجاح الذي حقّقته رواية لوكليزيو الأخرى، وهي “السّمكة الذهبية”، وبعدها كتاب “ناس الغيوم”، وهما عملان يخوضان في المواضيع نفسها الّتي عالجتها رواية “صحراء”، صار الآن من المشروع والبديهي التساؤل عن سرّ الحضور الجوهريّ للمغرب في مجموع أعمال هذا الكاتب العملاق، الذي يستحقّ عن جدارة لقب “الإيكولوجي العالمي”.

وعلى الرّغم من أنّ مصطلح “ثلاثية” غير مناسبٍ في هذا المقام، ما دام الكاتب قد استلهم المغرب في أربعة من أعماله وليس ثلاثة، فإنّه رغم ذلك يمكن رسم “دائرة مغربية” تضمّ بداخلها أعمالاً كُتبت بين عاميّ 1980 و1997، وهي دائرة لاحقة عن تلك المخصّصة للهنود الحمر وسابقة لأخرى مكرّسة لجزيرة موريس. ولهذا الغرض، سوف تضمّ “الدائرة المغربية” عند لوكليزيو رواية “صحراء”، وكتاب الرحلات “ناس الغيوم” (بالاشتراك مع زوجته جميعة)، ورواية “السمكة الذهبية”، لأن المغرب يحضر فيها باعتباره فضاء روائيّاً، وانخراط هذه الأعمال الثلاثة في مسارٍ خطّي يبدأ من نداء الصحراء إلى العجز أمام الواقع، وكلّ عمل منها يفتح الطريق للعمل الّذي يليه.

إنّ حضور المغرب كمرجعٍ في أعمال لوكليزيو، حسب رأي جون- ماري كواكو، يتأرجح بين الحضور المادّي- بقدر ما يسمح بذلك سردُ الراوي المُعاين لهذا الفضاء- والحضور الجوهريّ، باعتبار أنّ الفوتوغرافيا، بمعناها الموضوعي، هي في الواقع وسيلة انزياح، بل يصفها “لاكان” بأنها أقرب إلى الكناية في قدرتها على اختزال أيّ محتوى إلى كليشيه نموذجي. وفي هذه الشروط، يمكن اختزال مغرب لوكليزيو فقط في تفاصيل محدودة، أي تلك الّتي أرادت العين الاحتفاظ بها من مجموع المشاهدات خلال رحلاته الكثيرة. وفي هذا الاختزال بلاغة لا تخطئها العين، لأنّ النظرة عند هذا الكاتب “هي العلامة الجوهريّة للحياة”، كما جاء في كتابه “النّشوة المادية”، وهي نظرة تشمل عدداً من المناظر والمشاهد المغربية في بعض القصص والروايات، لا تقف فقط عند النقل البسيط للواقع وإنّما تأتي ثمرة خالصة لخيال الكاتب الخلّاق. فمثلاً، لم تكن رؤية لوكليزيو للصحراء المغربية في “ناس الغيوم” نظرة علمية أو إثنوغرافية، بل كانت نظرة شعريّة في صورها واستعاراتها، تمنح هذا الفضاء حريّة أكبر للتعبير عن ذاته بلغتِه الخاصّة.

محاكمة الغرب بسبب “الآخر”

في معظم أعمال لوكليزيو (منذ رواية “صحراء”) يُحيل المغرب جغرافياً وتاريخياً، بحسب كلود كاباييرو، على “الآخر” بشكلٍ عامّ، وهي إحالة بديهيّة في الواقع من وجهة النظر الغربية. ومع ذلك، من المؤكّد أنّ الأمر لا يتعلّق هنا بحالات، كليشّيهات أو نماذج جاهزة ونهائية، يبني عليها الغربُ الموقف نفسه من المغرب باعتباره “آخر”. وإنّما، بالأحرى، يتعلّق الأمر عند لوكليزيو بمحاكمة هذا الغرب قبل كلّ شيء، محاكمة تكشف عن قضيّة أساسية هي عدم رؤية الآخر باعتباره آخر فحسب، لأنّ ذلك سيكون مجرّد شهادة عن الاختلاف. بل إنّ المطلوب فعلاً هو رؤية حقيقة هذا الآخر، حقيقة يتمّ كشفها في ذاتها ولذاتها، بمعنى أنّها حقيقة متجذّرة في هذا الآخر باعتباره “ذاتاً” وليس “موضوعاً”، بحيث يمكن النّظر إليه في أصالته الكاملة. وبهذا المعنى، فإنّ رواية “صحراء” من حيث بنيتها الفكرية تنتمي إلى النسيج الكلّي لانتقادات لوكليزيو اللّاذعة للغرب، ورفضه لماضيه الكولونيالي المدمّر للشعوب الّتي تعرّضت للاستعمار، ولحاضره التّدميري للبيئة أيضاً، وإصراره على عدم تعويض هذه الشّعوب عن الأضرار المروّعة الّتي حاقت بها على يد المستعمر الغربيّ.
أما إذا انتقلنا إلى رواية “السمكة الذهبيّة”، فسوف نجد أنفسنا أمام سيرة ملحمية مُبهرة، يرويها لوكليزيو بلغة بسيطة جدّاً على لسان “ليلى”، وهي فتاة مغربية تنتمي إلى قبيلة بني هلال، تتعرّض للخطف من ذويها في الصّحراء في سنّ السادسة من عمرها، ثمّ تُباع إلى “لالّة أسماء” التي ستكون لها بمثابة جدّة ومعلّمة. بعد موت هذه العجوز، تغادر ليلى حي الملّاح، وتبدأ رحلتها الطويلة من المغرب إلى عوالم أخرى: فرنسا ثمّ إلى الولايات المتحدة، تخوض فيها تجارب عدّة، بحثاً عن هويتها وجذورها الإفريقية، لتعود في النهاية إلى قبيلتها في الصحراء جنوب المغرب، لاستنطاق المكان الذي اختُطفت منه، كي تجد حلّاً نهائياً لمأساة حياتها.
من جهة أخرى، وبعيداً عن فضاء الصحراء هذه المرّة، يروي لوكليزيو في قصّته القصيرة “ربيع”، وهي من ضمن خمس قصص ترجمها إلى العربية الأديب المغربي محمد برادة بعنوان “الرّبيع وفصول أخرى”، حكاية الفتاة “سابا”، الّتي تنحدر من قبيلة بربريّة في الأطلس المغربي، وهي تعيش في مدينة “نيس” مع أمّها بأحد الأحياء الفقيرة وتستعيد طفولتها الهنيّة بمدينة “مهدية” المغربية قبل أن تهاجر، هرباً من أسرتها، إلى فرنسا. أمّا في قصة أخرى من الكتاب نفسه، بعنوان “زينه”، فنقرأ عن فتاة من يهود شمال أفريقيا، تصف من خلالها حيّ “الملاّح” الذي تقيم فيه: الأسواق، الدبّاغين، سوق الحدّادين، المنازل العتيقة والأفران…إلخ، وهي قصّة تتضمّن جوانب كثيرة موجودة في رواية “صحراء” ورواية “السّمكة الذهبية”، منها على الخصوص فضاء “الملّاح”، المعروف تاريخياً بأنّه الحي الّذي يشكّل أكبر تجمّع سكني لليهود المغاربة في أكثر من مدينة، والحاضر تقريباً وبشكلٍ مستمرّ في كلّ أعمال لوكليزيو “المغربية”، إلى جانب البيت الأزرق، واللّون الأزرق الّذي يحدّد فئة من الرجال وفئة النساء في آن واحد، وأيضاً “الفندق”، دون إغفال عالم الأطفال المنعزلين وهم يحلمون بأماكن أخرى.

على درب الصوفية؟

عندما اقترب لوكليزيو من السواحل الإفريقية في 1980، خصوصاً من منطقة الجنوب المغربي، فتح بروايته الشهيرة ذلك العام أبوابَ الصحراء، وتماهى كلّياً مع أسطورة “الشّيخ ماء العينين”، حيث خلق منه شخصيّة روائية مميّزة بأربعة عناصر: الوشاح الأبيض الّذي تُرقّصه الريح، الارتباط بالأرض، كلمة النّار، و”ماء العيون” المستلهم من اسمه بالذّات. وإذا كان من المؤكد أنّ بصمة باشلار تتكرّر في أعمال لوكليزيو، في احتفائه بهذه العناصر، كما يشير إلى ذلك جون أونيموس، فلأنّها تأخد بُعداً جديداً في استحضارها للمغرب، من خلال تقمُّصها لروحانية تعكس تأثّراً واضحاً بالصوفية. وهذه الأخيرة تشعُّ في آنٍ واحد من كاريزما “الشيخ ماء العينين” ومن تمثيله لشعب الرّجال الزُّرق (الطوارق). إنّ صورة المغرب تبتعد، في الواقع، عن الصّور النمطية الّتي ينقلها الأدب “الغرائبي” الكولونيالي، الّذي يحتفي بالغريب والعجيب، لتنفتح على تأمُّلٍ شِعريّ يجد صداه في كتاب “ناسُ الغيوم”، ليتراجع في رواية “السّمكة الذهبية”، وهي آخر رواية تقع أحداثها في المغرب.
إنّ اختزال أعمال لوكليزيو المكرّسة للمغرب في تأويل صوفيّ سيكون بالطبع مُتعسّفاً، بحسب رأي بيرناديت ري ميموزو- رويث، ولا يأخذ في الاعتبار باقي التّأثيرات الأدبية والروحية الأخرى الّتي شكّلت خيال هذا الكاتب. وإذا كان صحيحاً أنّ اكتشاف لوكليزيو للمغرب رافقه اكتشاف الصوفية أيضاً، باعتبارها نزوعاً طُرُقياً وتعبيراً شعرياً، فإنّ فلسفات أخرى مستوحاة من ديانات وثقافات عالميّة اخترقت مجمل أعماله، بدءاً من البوذيّة. وفي هذا السياق، نتذكّر ما أعلنه الكاتب ذات مرّة بخصوص انجذابه لكتاب بيتر ماتيسن “فهد الثلوج”، المخصّص للبوذية وفلسفة الزن، كما أنّ رواياته المكرَّسة لجزيرة موريس تحمل طابع التأثّر بالنصوص المقدّسة الهندية. وهنا، يمكن بسهولة اكتشاف توافقٍ واسع بين مختلف هذه الروايات، يكمن وراءها بُعدٌ أكبر مستوحىً من الحبّ والاعتراف بالآخر، وهو – كما نعرف جميعاً- بُعدٌ حاضر بقوّة في نصوص ابن عربي.
في الواقع، إنّ لقاء لوكليزيو بالصّوفية، خلال سعيه الطويل بحثاً عن الذات، قد ضخّ دماءً جديدة في مساره الأدبّي ككاتب، وساهم في اكتساب أعماله بُعداً كونيّاً استحقّ به نيل جائزة نوبل للآداب. ولا شكّ في أنّ مقاربته للمغرب الصّوفيّ منَحت أعماله نَفَساً جديداً ومختلفاً، من خلال عرضه لنماذج وشخصيات من الصحراء المغربية، تمتلك صفاتٍ نفسيّة ذات كثافة عالية، من جهة، ومن خلال اشتغاله على فضاءٍ جديد باعتباره وسيطاً بين الحاضر والجذور، من جهة ثانية. لكن ما هو أكيد أنّ مسَار زوجته جميعة، “الوحيدة الّتي تعود إلى جذورها بعد جيلين من الغياب”، كان حافزاً قويّاً ودافعاً له نحو رحلة روحية داخل الذّات، قام بها على مدى سنوات طويلة، من خلال مجمل أعماله الأدبية، ظهرت معالمها الأولى في “صحراء” (1980)، وتكرّست مع “الباحث عن الذهب” (1985)، إلى أن اكتملت بشكلٍ تامّ في رواية “ثَورات” (2003).

Loading...