التكنولوجيا وعلاقتها بالقيم”اليابان نموذجا”

بقلم : حنان الخميسي

القيم كمدخل هي تلك الركائز التي تقام عليها الأمم و تبنى عليها المجتمعات، إذ تتعلق بالأخلاق والمبادئ والتي تقوم بعملية ضبط السلوك البشري وتوجيهه. فالقيم الإجتماعية هي تلك الخصائص والصفات السامية التي تتحدد من خلال ثقافات الشعوب، لكنما مع التطور الذي عرفته البشرية في مجالي العلم والتكنولوجيا والثورة التي أحذثوها على الحياة والقيم لاحظنا أن هذه الثورة قامت بإحذاث تغييرات وتعديلات خطيرة على المنظومات القيمية والعادات والتقاليد إذ أسقطت غالبية الشعوب في حالة من التناقض والنكران، وبالتالي فإن هذه الطفرة التي عرفها العالم كان لها سلبيات تفوق أضعاف أضعاف إيجابياتها وهذا وفقا لدراسات وأبحات علمية في مسألة القيم وعلاقتها بالتكنولوجيا “التكنولوجيا الرقمية على سبيل التحديد”.

في هذا الصدد يمكننا الإستعانة بدولة اليابان كمثال حي في قوة الإرادة والثبات على المبادئ رغم تعرضها بعد خسارتها في الحرب العالمية الثانية لضغط هائل من ضحايا الحرب الدامية للإستجابة لمطالبهم إذ وجدت الدولة نفسها أمام تحدي ذاتي حتم عليها النهوض من جديد رغم أنها لا تتوفر على الموارد الطبيعية الكافية لكن بما أنها دولة ذات قيم قوية وراسخة قررت آستيراد التكنولوجيا الغربية و تفكيكها من أجل تحليلها ودراستها وبعدها إعادة تركيبها لكن حسب العقل والطريقة اليابانية وليس فقط الإعتماد على النموذج كما هو ونسخه مع غياب عنصر أساسي في التقدم وهو الإبتكار.

هنا يتبادر للأذهان السؤال التالي وهو آنطلاقا من النموذج الياباني هل يمكننا الإعتماد على القيم كأساس لبناء تكنولوجيا متقدمة والولوج إلى عالم المعرفة ؟

إن التكنولوجيا الرقمية أحدثت تغيرات كبيرة في أنماط الحياة الخاصة لبني البشر وكذا تعلمهم ترفيههم وثقافتهم ومسألة القيم تبقى مسألة تحتاج للتصنيف والتفرقة نظرا لتعددها. فمثلا هناك قيم متعلقة بالإنتماء الديني العقائدي، قيم متعلقة بالإنتماء الوطني، قيم متعلقة بالمواطنة وغيرها. إذ هناك معايير تحدد لنا بمعنى أدق ماهية هذه القيم التي تصادمت في واقع الأمر مع التكنولوجيا الحديثة وليس العكس .

إن هذه القيم بالضرورة تخضع للتغيير لأن الثبات عليها والعمل بها أمر يتميز بالتفاوت على حسب الثقافة الشعبية والمجتمعية بغض النظر عن القيم الكونية التي تبنتها سائر الدول في العالم كالحرية، المساواة، العدل وغيرها. لكن هناك حقيقة لا يجب غض الطرف عنها وهي حقيقة أن القيم كيفما كانت من الممكن أن تتغير وتتأثر بعوامل خارجية عديدة، لكنها ستظل دائما وأبدا ذلك النور الذي نعود إليه كلما ظللنا أو تهنا الطريق.

ربما اليابان نجحت في توجيه قيمها المجتمعية ووضعها كحجر أساس لبناء تكنولوجياتها الحديثة والمتقدمة وتسهيل ولوجها إلى عالم المعرفة، لكن هذا المثال لا أظن أنه يمكن تكراره لاسيما أن التعلق بهذه القيم يعرف آختلافا في الدرجة لا يمكننا التنبؤ معه بمدى قوة مقاومة هذه القيم لهذا التغيير سواء كان.

Loading...