قراءة ممتعة: كلاسيكيات الأدب الفرنسي

غوستاف فلوبير (1821-1880)

إعداد: يوسف خليل السباعي

سيرة شخصية:

ولد غوستاف فلوبير (1821-1880) في روان. وذكرت المكتبة الرقمية لتفي 5 لوموند أنه بدأ دراسة القانون بعد أن أجبره مرض عصبي على الاستسلام. ثم عاش بمفرده في كرواسة، وعاد بانتظام إلى باريس ليجد عشيقته وأخته الأدبية، الشاعرة لويز كوليه. يكتب رواياته الثلاث العظيمة. بعد رحلة إلى الشرق، بدأ في كتابة ” مدام بوفاري”، التي تمت إدانتها عند نشرها لمهاجمة الأخلاق الحميدة. مع “التربية العاطفية”، تزيل هذه الرواية الغموض عن السلوك النفسي والاجتماعي للأفراد وتجعل من فلوبير مصممًا رائعًا. بعد أن سئم من الصعوبات المالية والمرض، أصيب بنزيف في المخ.

زولا متحدثا عن فلوبير:

كان صديقي مروان بنفارس قد أورد كتبه إميل زولا عن فلوبير حين تحدث عنه، حيث كتب إميل زولا: “انتهى الأمر بفلوبير إلى الخوف من الكلمات، إذ كان يقلّبها بمائة طريقة، ويرمي بها جانباً إذا لم تكن قادرة على إدخال فكرته على الصفحة التي يكتبها. وذاتَ يومِ أحدٍ، وجدناه ناعساً وقد هدّه التعب. ففي عشية ذلك اليوم، بعد الظهر، كان قد أنهى صفحة من «بوفار وبيكوشيه»، وكان مغتبطاً بها تماماً، وذهب لتناول العشاء في المدينة، بعد أن قام باستنساخها على ورق هولنديّ كبير القطْع كان يستخدمه آنذاك. وحينما عاد إلى داره، في منتصف الليل تقريباً، وبدلاً من الذهاب إلى سريره، رغب في إعادة قراءة تلك الصفحة. لكنّه بقي منذهلاً، لأنّه عثر على تكرار كان قد أفلت منه، على مسافة سطرين. ومع أنّه لم يكن هناك من مدفأة في مكتبه، والجوّ بارد تماماً، أصرّ على التخلّص من ذلك التكرار. ثمّ لاحظ كلمات أخرى لم ترقْه، لكنّه كان عاجزاً عن تغييرها كلّها، لذا كان مرغماً على الذهاب إلى سريره، يائساً. وفي السرير، كان من المستحيل عليه أن يغفو، فرجع ثانية إلى تلك الصفحة، وهو يفكّر بتلك الكلمات… جاء بالصفحة إلى سريره، وغطّى أذنيه بوشاحه وتدثّر جيّداً بغطائه، وظلّ على هذه الحال حتّى الصباح وهو يعالج صفحته، التي نخرَها من كثرة التشطيبات التي ألحقها بها. تلك كانت طريقته في العمل. كلّنا يتملّكنا مثل حالات الهيجان هذه؛ بيدَ أنّ حالات هيجانه هو كانت تلاحقه من أوّل كتبه حتّى آخرِها”.

رواية مدام بوفارى:

وعن رواية ” مدام بوفاري” لفلوبير، كتبت منى عبد المجيد مقالا ثريا، جاء فيه:” كانت رواية مدام بوفاري لفلوبير ثورة في عالم كتابة الرواية حيث أنه كتبها في أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر و نشرت مسلسلة في إحدى الجرائد الذائعة الصيت حينذاك و قد احدثت الرواية ضجة كبيرة و جدلا شديدا و ذلك لموضوعها الجريء في عصر سادت فيه الرومانسية بقيمها الفاضلة وشخصياتها المتدينة و قد كان أشهر كتابها فيكتور هيجو بنزعته المتدينة و تشارلز ديكنز و الذي لم يكتب مشهدا غراميا في حياته
فكانت مدام بوفاري بداية لعصر جديد تماما في الرواية
الرواية تدور حول فتاة تدعى “إيما بوفاري” وهي فتاة جميلة ومثقفة، قرأت الكثير من الروايات والأشعار الرومانسية وأصبحت أحلامها تقتات على ما تقرأه من القصص العاطفية والحياة الفارهة في القصور ومايحدث بها من السهرات والحفلات.
تنتقل إيما للعيش مع أبيها في الريف بعد عودتها من الدراسة في الكنيسة، وعندها تصادف ” شارل بوفاري” وهو طبيب يقوم بالتردد على بيتهم من أجل معالجة أبيها، ولأن إيما اعتادت على وجود شارل في تلك الفترة ظنت أن ماتشعر به اتجاهه هو الحب الذي كانت تقرأ عنه ولذلك توافق على طلبه للزواج منها..
إيما كانت تظن بأن الزواج سيحقق لها أحلامها وأنها أخيراً ستتخلص من الريف وتعيش في باريس أو في إحدى تلك المدن ذات الأسماء الرنانة وأنها مع شارل ستتحقق لها تلك السعادة العاطفية التي كانت تقرأ عنها وظنت أن شارل يشبه أبطال رواياتها من حيث العاطفة والأناقة والثقافة ولكن سرعان ما تتبدد أحلامها وتعترف بخيبة أملها في هذا الزواج وتردد في نفسها “يا إلهي ! لماذا تزوجت ؟!”
شارل رجل بسيط وحديثه سطحي، وكان رجلا روتينيا لا طموح لديه.. يمارس مهنته ومن ثم يعود لبيته وعائلته، فهو يحب إيما كثيراً ويسعى دائما لإسعادها ولكن هي لم تكن يوما سعيدة معه، فكانت تسائل نفسها:
” أو لم تجد المصادفات طريقا آخر تدفعها خلالها لتلتقي برجل آخر ؟” وتتخيل كيف ممكن أن تكون حياتها مع ذلك الرجل ” كان من الممكن أن يكون زوجها جميلا مرحا أنيقا جذابا، مثل أولئك الأزواج الذين ولابد قد حظيت بهم زميلاتها في الدير..
ترى ماذا تفعل أولئك الزميلات الآن في المدينة، وسط ضجيج الشوارع، وأضواء المسارح، وصخب المراقص؟ إنهن ولا ريب يحظين بحياة يتفتح بها القلب، وتنتعش الحواس..
أما هي فإن حياتها باردة كالمياه الراكدة، لماذا لم تحظ بزوج ولو من أولئك الذين يقضون الليل بين الكتب، ويحملون في النهاية إذا مابلغوا الستين، سن الروماتيزم وساماً على شكل الصليب، فوق بزاتهم السوداء؟ لكم كانت تشتهي أن يغدو اسم ” بوفاري” ذائعا وأن تراه معروضاً عند باعة الكتب، تردده الصحافة، وتعرفه فرنسا بأسرها!
ولخيبة إيما الكبيرة في زواجها، تعجز عن الشعور بالسعادة وتيئس من حياتها، حتى يصيبها المرض، ويقوم أحد الأطباء بتشخيص مرضها بالعصبي وينصحها بتغيير الجو، ولأن إيما كانت دوما تشكو من مكان إقامتهم، يقرر شارل أن ينتقل الى ” ايونفيل ” وهنا تقابل إيما ” ليون”..
في ايونفيل، تبدأ أخطاء إيما تتوالى فتتورط في علاقة سرية مع ليون الذي يشاركها حب الكتب والقراءة، ولكن سرعان ما يتركها ليون ويرحل وهنا تحزن إيما كثيرا، وتتورط لاحقاً في علاقة أخرى مع شاب ثري ومخادع (رودولف) الذي كان واثقاً من استسلام إيما له نتيجة ما لاحظه من عدم التوافق الفكري والعاطفي بين إيما وزوجها ولسذاجة إيما وطيبة قلبها، وفعلاً تعشق إيما رودولف لدرجة أنها تطلب منه أن يهربا معا بعيدا ولكن رودلف وخوفا منه على سمعته يخذلها في نفس ليلة الهروب المتفق عليها..
تمرض إيما مرضاً شديداً يبقى معها لفترة طويلة بسبب ما فعله رودولف بها، وتتغير أمزجتها وطباعها بعد مرضها، فتكثر زياراتها للكنيسة، وتكرس نفسها لعمل الخير، وتقرأ كتب ومجلدات دينية، ولكن سرعان ماتبدأ بالملل من هذه الكتب وتقل زياراتها للكنيسة..
أثناء زيارة الزوجين لروان، تقابل إيما (ليون) وتعود علاقتهما مجدداً، وتنجرف إيما نحو حياة فاسقة تجعلها امرأة وزوجة مخادعة ماكرة وكاذبة حيث تقوم بتدبير الخطط والحيل والأعذار لتعاود زيارة روان في كل مرة لمقابلة ليون، وتقوم أخيراً برهن بيت شارل دون علمه لكثرة الديون عليها نتيجة إسرافها في الشراء والرفاهية، تحاول فيما بعد اللجوء الى ليون وردولف لإنقاذها مالياً ولكن يقومان بخذلانها، وفي طريقها للبيت وفي قمة يأسها وخذلانها العاطفي ومع اقتراب موعد بيع البيت في المزاد ومعرفة شارل بالأمر تقرر الانتحار وتنتحر..
وهكذا تنتهي الرواية بنهاية مأساوية حزينة..”.

سلامبو

وبخصوص رواية “سلامبو” لفلوبير، نقرأ في Book It Forward نبذة الناشر، حيث جاء فيها:” كان بودلير متأثراً بالعظمة الملحميّة لـ”سلامبو”، ويدّعي غوته أنه من الواجب مطالعة هذا العمل كقصيدة ملحمية وليس كرواية، وقد تكلّم فلوبير نفسه بعد إتمام “مدام بوفاري” عن هواجسه الملحميّة، فقد استهوته الملحمة كصنف ولون، وما انفكّت تعمل على إستمالته.
كانت أمنيته الكبيرة أن يقرأ إلياذة هوميروس الأصلية، وتتجلى المواقف التقليدية للملحمة في “سلامبو”: إحصاءات وتنقّلات هائلة للجيوش، او لأمة بأجمعها، مآثر عسكرية، صداقات حماسية، أعمال فردية تندرج في عمل جماعي شامل، دسائس ومكائد، وكل حركة تُمسي مأثرة.
وإلى جانب هذا كلّه تبرز “سلامبو” ابنة هاميلكار، كاهنة معبد تانيت، لتفيض على عتمة المعارك نور بهائها المقدس، المحاط بجلال أبيها، ولتسقط في نهاية الرواية جرّاء حب كتمته في قلبها لعدو قرطاجة زعيم البربر.
في “سلامبو” يتجلّى مبدأ الموت في أنشودة سلامبو التي تصف رأس ماسيسبال المقطوع، المعلق في مقدمة السفينة، والذي تحنّطه حركة الماء والشمس وتجعله أكثر صلابة من الذهب – تصوير وتحنيط خيالي – وكأنّنا بفلوبير يبحث عن جمع مستحيل بين الواقع والمصير، بين الحاضر والمستقبل”.

Loading...