أوِّدعُها عسى تودِّعنا !

محمد بشكار

أعْلم أنها سنة الوداعات التي بِقدْر ما أفرَغتْ الأماكن من سُكَّانها ملأتْ القلوب بالأسى، والأدْهى أن سنة الوداعات التي تعيش أو نعيش ساعاتها الأخيرة لا تريد أن تودِّعنا، لعلها تريد أن تجدِّد عَقْد رهْن أو كراء مع الزمان لتُعمِّر بسيرة الموت أطول مُدَّة في الحياة، وماذا يُجدي أن يتغيَّر الرقم ولا تتغيَّر السنة الماضية، بل تستمرُّ مُتناسِخةً لكن هذه المرة دون أرواح، ولستُ أتحدَّث فقط عن الأرواح التي أزْهقها الوباء إنما أيضاً تلك التي تعيش مَيِّتة بيننا بعقلية الفساد، وهذه الأرواح ستبقى للأبد فاقدةً لأرواحها، بل ستنْتهِز فُرصة أن يتغيَّر الرقم بعد منتصف الليل لتدخل مع السنة الراحلة تاريخ الأوبئة من أبوابه الموجعة !

لا أحبُّ كل الوداعات كيفما كانت طرائقُها تلْويحاً بالمناديل أو نُواحاً جُوانِياً دون دمع على عتبة الباب أو النافذة أو في محطات السفر، لا أحب الوداع مُعتقَلاً خلف حاجز حديدي في المطار، كم هو مُتعنِّتٌ وباردٌ ذلك الحاجز الأشبه في أضلاعه المعدنية ببعض الأقفاص الصدرية الضيِّقة، يقف حائلا دون أن نمضي إلى جوار من نُحِبُّ لندخل معاً في الباب الأخير المُفْضي لأدراج السماء !

ولكن على كرْهي للوداع أجدُني مُتحمِّساً لاقترافه بكل جوارحي لأودِّع هذه السنة التي لا تشبه غيرها، على شرْط أن نودِّع معها الضمائر المُنفصِلة التي لا توجد إلا في حالة نصْبٍ، نودِّع الشَّوْكة التي اختلَّتْ في ميزان العدالة الاجتماعية لتسْتوي في بُرج العقرب، نودِّع السياسة التي تُكرِّر كتلميذ فاشلٍ نفْس القسْم وتُوهِمُنا أنَّ البلاد تنتقل بميزة لوحة القرف، نودِّع كل الساعات التي في حوْزة من صاروا بثقافة القَهْر الشَّعْبية يُنعَتُون بأهْل الوقت لنبْحث عن وقتنا الضائع، نودِّع الحياة بقصيدة فدائية تنْسف الديوان، لنولَد في حياة أخرى أفْضَل تُعطينا الحقَّ في تغيير الخطاب وحتى العنوان !

ألمْ أقُل إني لا أحبُّ كل الوداعات، لا أحبُّ أن أودِّع طفولتي لكي لا أفْقِد موقعي في اللعب، تارةً على كتف أبي لأقطف وردة تسلَّلتْ بعنقها هرباً من سِياج ضيْعةِ أحد مُحْتكِري ثروات البلد، وآناً أنزل للَّعب على الأرض، كأنْ أحفر بئراً وهو نفس البئر الذي ما زلتُ أحفره في كِبري بحثاً عن عمقي، ولم أكُنْ ألْعبُ بتُراب الأرض خشْية أن ألقى في البيت نظير اتِّساخ ملابسي أشدَّ العقاب، وحسناً كنتُ أفْعل في صباي فكلُّ الذين لعبوا بتراب الأرض فقدوا الوطن !

ولا أعْجبُ إلا لِمن يهِشُّ باشّاً لرأس السنة الجديدة وهو طيلة الأعوام المُنْصرمة تحت الأرجل مهضوم الحقوق، رُبَّما الحاجة للفرح المُصَادَر والمُعَلَّب كحلوى الميلاد، ما يجعل البعض يحتفلُ بنهاية سنة من عمره رغم أن المناسبة في عمقها تستدعي الرِّثاء، وما أشبه الصَّنيع بما يقْترفه جُحا الذي لا يُخْلف الموعد كلما لاحَ طابورٌ في الشارع طمعاً في وليمة تنُوبه من الزِّحام، وما زال كذلك حتى وجد نفسه يوما يَنْضمُّ لطابور المحكومين بالإعدام !

ليْتَنا نُودِّع السَّنة فقط رغم أنَّ كل دقيقة ضائعةٍ من العمر لا تُعَوَّض، ولكننا للأسف نودِّع معها بتوالي الأعوام، بعض عاداتنا الحميمية التي تنْتظِم في الروح كما يتشبَّثُ بالخيط الجوْهَر، ألم يكُن حيُّنا القديم منزلا واحداً رغم تفرُّق الأبواب، اليوم لا أحد يعرف أحداً ولو بإشارة السلام، أفهم أن العالم أصبح أخلاطاً من الثقافات التي مزَّقت السراويل وسطَّرت عُرْف الديك فوق الرؤوس، ولكن لسنا مُجْبرين على تشرُّب كل وافدٍ جديد دون أن نَعْلَم بيد منْ آلة هذا العصير، لنقُل إنَّ الجشع الرأسمالي قد شوَّه صورة الإنسان، وما فتئ يبْتكر كل سنة موضة أو تقْليعة غير مسبوقة كل همِّها أن تقْتلعنا من الجذور، فلا أنا نفسي ولا أنا غيري وتشْهَدُ آثار خطاي بنشازها أنِّي اكتسْبتُ مشْيَة الغراب، فما أحْوجنا لصدمة ثقافية بالقوة التي تُفكِّك الفرْد غير القابل للتغيير إلى قِطع غيار، ليس لبيْعِه لا قدَّر الله بسوق الخرْدة، ولكن لإعادة بنائه حضارياً عسى نَحصُل على نتيجة بمرتبة إنسان !

لا أحبُّ كل الوداعات إلا بعضها إذا كان المعْنيَّ بالوداع هذه السنة المُوجعة، أودِّعها دون وجه بعد أن فقدتُه مع إحدى الكِمَامات لا أذكر أين علَّقْتُها، أودِّعها على حافة الطريق قريباً من المُنْعطف المُفْضي للأمل، أودِّعها بعد أن تحْزِم الموت في حقائبها لتُسافر مع الوباء بدون رجْعة !

Loading...