المغرب وإسبانيا.. علاقات حذرة تحكمها قضايا حساسة

تتسم العلاقات المغربية الإسبانية بالاستقرار، لكنه مشوب بالحذر ومعرّض للتأثر السريع على وقع قضايا ذات حساسية مفرطة للجانبين، أبرزها ملف مدينتي سبتة ومليلية.

برلماني مغربي قال، في حديث للأناضول، إن البلدين تربطهما مصالح استراتيجية، خاصة اقتصادية وأمنية، ويسعيان لعدم التصعيد، ويجب حسم إشكال سبتة ومليلية بالوسائل الدبلوماسية المتاحة.

فيما رأى أكاديمي أن صعود أحزاب إسبانية متطرفة أعاد الجانب الأيديولوجي إلى الواجهة، ولن تتمكن مدريد من التأثير على الرئيس الأمريكي المقبل، جو بايدن، بشأن “مغربية الصحراء”.

وتقع سبتة ومليلية أقصى الشمال المغربي، ويرفض المغرب الاعتراف بشرعية الحكم الإسباني للمدينتين، ويعتبرهما جزءًا لا يتجزأ من أراضيه، ويطالب إسبانيا بإجراء مفاوضات مباشرة على أمل استرجاعهما.

 

في 22 دجنبر الماضي، استدعت إسبانيا سفيرة المغرب لدى مدريد، كريمة بنيعيش، على خلفية تصريح حكومي مغربي يتعلق بقضية المدينتين التابعتين للإدارة الإسبانية واللتين تطالب الرباط باسترجاعهما.

فقبلها بثلاثة أيام، تحدث رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، في تصريح متلفز، عن إمكانية أن “يُفتح الملف (سبتة ومليلية) في يوم ما”.

وذكرت وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية أن كاتبة الدولة المكلفة بالشؤون الخارجية، كريستينا غالاش، استدعت سفيرة المغرب، و”أخبرتها أن الحكومة تتوقع من جميع شركائها احترام سيادة ووحدة أراضي إسبانيا”.

وطلبت “غالاش” من “بنيعيش” تقديم توضيحات بخصوص تصريحات العثماني، فيما جددت السفيرة المغربية موقف الرباط الثابت من قضية المدينتين المحتلتين.

وجاءت تلك التطورات في ظل تأجيل الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وحديث وسائل إعلام عن تواصل مدريد مع إدارة الرئيس الأمريكي المقبل، جو بايدن (يتسلم مهامه في 20 يناير الجاري)، للعدول عن قرار الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، الاعتراف بسيادة المغرب على إقليم الصحراء.

 

في العام 2002 دخل جنود مغاربة إلى جزيرة “ليلى” في المحيط الأطلسي، وهي غير مأهولة بالسكان وكانت تخضع للسيادة المغربية قبل أن تحتلها الإمبراطورية البريطانية ثم الإسبانية.

وبعد تدخل جنود إسبان، وقعت مناوشات وتصعيد سياسي بين مسؤولي البلدين، عندما كان الحزب الشعبي المحافظ يقود الحكومة الإسبانية، بقيادة خوسيه ماريا أثنار (1996- 2004).

ومنذ تلك الأزمة لم تشهد العلاقة بين البلدين أزمات طويلة الأمد.

واستدعى المغرب سفيره في مدريد للتشاور، خلال الولاية الثانية للاشتراكي خوسيه لويس ثباتيرو، على خلفية زيارة العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس، إلى سبتة ومليلية عام 2007.

وتظهر الأرقام الرسمية أن إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب منذ 2012، حيث تنشط أكثر من 800 شركة إسبانية في المغرب.

وعلى الصعيد الأمني، استطاع البلدان بناء جسور الثقة لمواجهة الإرهاب العابر للحدود، فتم تفكيك خلايا إرهابية عديدة بتعاون مشترك.

وانتقل التعاون من مستوى تبادل المعلومات إلى تنظيم ندوات علمية حول المخاطر الأمنية، وطرق التنسيق لمواجهتها.

 

نبيل الأندلسي، نائب رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني والمغاربة المقيمين بالخارج في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان)، اعتبر أن “كلا البلدين يسعيان إلى عدم التصعيد، لكون العلاقات المغربية الإسبانية تبقى تاريخية وتوثقها المصالح الاستراتيجية المشتركة، وإن كانت تمر ببعض الأزمات من حين إلى آخر، كما حدث مع أزمة جزيرة ليلى سنة 2002”.

وأضاف الأندلسي للأناضول أن “الراجح دائما هو قوة هذه العلاقات الثنائية، خاصة وأن البلدين تجمعهما علاقات اقتصادية مهمة وتنسيق أمني على مستوى مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، لذا فهما حريصان على توطيد هذه العلاقة، إلا عندما يتعلق الأمر بأمور كبرى، ومنها ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة (في المحيط الأطلسي)”.

ورأى أن “تصريح رئيس الحكومة المغربية بشأن سبتة ومليلية ليس تعبيرا عن موقف جديد أو موقف حزبي، وإنما هو موقف الدولة المغربية رسميا، فالمدينتين محتلتين من إسبانيا”.

وتابع: “يجب أن يُفتح هذا الملف بين الجانبين لحسم هذا الإشكال التاريخي بالوسائل الدبلوماسية المتاحة”.

وفق خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، فإن “العلاقات المغربية الإسبانية كانت مرهونة دائما بالتقاطب الحزبي داخل إسبانيا من خلال حزبي الاشتراكي العمالي والشعبي، اللذين كانا يغلبان الجانب الأيديولوجي”.

وأضاف شيات للأناضول: “لكن منذ 2003 أصبحت معادلة العلاقات بين البلدين مبنية على أولوية الجانب الاقتصادي على السياسي، خاصة وأن البلدين تجمعهما علاقات اقتصادية متينة يزكيها حجم الاستثمارات في المغرب”.​​​​​​​

‎وإسبانيا هي ثالث أكبر مستثمر في المغرب، عام 2017، بنحو 50 مليار درهم (5.6 مليار دولار).

وأوضح أن “التحول الذي حصل في العلاقات بين البلدين كان مع صعود بعض الأحزاب المتطرفة، التي تنهل إما من مرجعية اليسار الراديكالي أو اليمين المتطرف، والتي أعادت الجانب الأيديولوجي إلى الواجهة دون مراعاة الاقتصاد”.

وتابع: “حزب بوديموس (يسار متشدد) على وجه الخصوص يشكل حرجا اليوم لرئيس الحكومة وباقي مكونات الحكومة الإسبانية، عندما يحاول جرها إلى مواقف مناوئة للمغرب تبقى مكلفة لمدريد”.

وشدد على أنه “لا يمكن لأي سياسي عاقل في إسبانيا أن يقف ضد المغرب شريكها الاقتصادي الرئيسي”.

واستطرد: “لا يمكن تجاهل أمور خفية أخرى تؤثر بشكل عام على رؤية إسبانيا للمغرب، منها تحديدا أن مدريد لا تقبل، وإن كانت لا تصرح بذلك، أن يكون المغرب قويا ويحقق نموا اقتصاديا، فهي دائما متوجسة من مغرب قوي”.

 

في 10 دجنبر الماضي، أعلن ترامب اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء المتنازع عليها بين الرباط وجبهة “البوليساريو”، وهو اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن اتفاق المغرب وإسرائيل على استئناف العلاقات بينهما.

وبخصوص الأنباء عن تواصل مدريد مع بايدن للعدول عن قرار مغربية الصحراء، قال شيات: “لا أعتقد حصول تأثير إسباني على الإدارة الأمريكية المقبلة، وكل تحركاتها هي مجرد تسويق سياسي يلبي حاجيات سياسية داخلية”.

وأضاف أن “تحركات مدريد لن تجدي نفعا مع إدارة بايدن رغم علاقاتها القوية مع واشنطن، لأن الكونغرس (الأمريكي) سيكون حاسما في كل شيء في النهاية”.

Loading...