البطريق

حسن الفذ

لم يعد يستحضر ذهني لماذا تلاسنت يومها مع “المفوض حفيظ” عند المدخل الجنوبي للملعب البلدي، لكن الأمور انفلت سوؤها على حين غرة عندما صاح ملء حنجرته أن التحدث في حضرته لا توضع فيه الأيدي في الجيوب و لا ترفع فوق الخصر، قلت له إنه لن يجعل مني بطريقا بلا أيدي… هزِئَ منه الجمع؛ قال صاحبي إن البطريق بالنسبة للسيد المفوض هو ذلك العجب المرسوم على واجهة معمل “بانغوان” للقشدة المثلجة بشارع الشفشاوني… حَنِق المفوض بشدة فصفعني… ترافست معه، تلاحمت معه، كان لي حَرونا و كنت له شَموسا، كانت له أفضلية زيه الرسمي الذي تَرزّم فيه ليطبع اللكمات و الكلمات على سجيته.. انضم إليه زميله، أخداني من عنقي، تَبتا قفاي بإحكام على صفيح الباب الجانبي لسيارة الشرطة، أمطراني بخليط من رَداد لعاب ووعيد بمصير مظلم في دهاليز سجن “غْبييلة”. ألقيا بي داخل المقصورة الخلفية ل”فاركو” نط المفوض وراء المقود، شغل منبه الإستعجال وإنتزع الأولوية بالتقاطعات…
على الطريق الساحلي هدأت… تحسست ندبا بعنقي و ملوحة دم بشفتي…
هرج ومرج، تضاحك متعال من مكتب المفتشين الذي يبدو أنه أُرْتُجل في يوم واحد بالحديقة الخلفية لمخفر الشرطة ثم وضع عليه سقف من صفائح الإسمنت المُمَوَّجة.
كان باديا أن الرجال الثلاثة بداخله استسلموا لتندر جَلِف تبادلوه للتو. كان النحيل فيهم أشدهم رجا؛ يدير وجهه إلى الأعلى ليستقيم عنقه و يتحرر الهواء في حلقه، يضرب على صدره ليرتب تنفسه ثم يستسلم لقهقهة متحشرجة تنفث رائحة التبغ الأسود الزهيد، تبغ الثكنات!

في عمق المكان أحدهم يطلق صوتا حادا، إعتصر وجهه حتى تبلل، يتجمد تارة و يتلكع أخرى، يكرر حركة بذيئة، يتنطط بهزق، ينتفض ثم يلطم الفخذ و الجبين…
إنتبهوا لوجودي بالمكان فعادوا لعبوسهم الرسمي.

همس في أذني أحدهم “…هو ذا حالكم معشر المتعلمين تتعاظمون علينا نحن مزارعو الأمن لا لشيء إلا لأن أدباركم إحتكت أكثر من المطلوب بطاولات المدارس… لا مكان لك هنا لأنك لست بطلا فأنت بالكاد غبي غير فطن بما ينتظره… إسمع! تأسَّف للمفوض، و إحتج لنفسك، لاينه، داهنه لِمكَانَتِهِ، لا تسوء عليه ما سَوٌأك به… هو حاد الطبع لكنه صَفوح… لاتكن صعب المراس، كن ذكيا… هيا! إنهض و إلتحق به بالدهليز “.
إمتثلت ثم سمعته يغمغم “برهوش “.

Loading...