الملاك والرماد: لوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد

تحرير : يوسف خليل السباعي

هل توجد ملائكة على الأرض؟!… في الحقيقة، لا أتصور ذلك! هل يمكن لها أن تتجسد على مستوى الواقع الفعلي! ليس ممكنا؟!… لنحرك دراجة الأسئلة الهوائية: هل اقترب أحد من الملائكة؟!… هل شاهدها بعيونه؟!… ليس ممكنا قط! ثم، لماذا يوسف الحداد باعتباره فنانا تشكيليا، ومبدعا، يحرص في هذه اللوحة: الملاك والرماد، من خلال ثيمتها على أن يظهر لنا هذا الملاك في صورة امرأة تشكيليا؟!… لماذا هذا الإصرار على تصوير الملاك تشكيليا.

في بعض اللوحات القديمة لرسامين كبار كانت الملائكة تظهر بأجنحة، وكان هذا التخييل “التديني” سائدا، وذلك وفق النسق الثقافي والدين لتلك الحقبة، كما لو أن الملائكة تقيم في السماء، وليس في أي مكان من هذا العالم.

والحقيقة أن هذه النظرة للملاك كانت تحمل ذلك التخييل دينيا، وليس دنييا، في حين نجد يوسف الحداد ينتهك هذا المفهوم القديم، السائد، ويظهر لنا الملاك في صورة امرأة عارية بنهود مكشوفة، ملاك يحمل في يديه جمجمة بشرما. إن يوسف الحداد، بهذا العمل التشكيلي الفني، يخلخل معرفتنا بما هو سائد في المخيال الجمعي، ويقربنا أكثر من الحقيقة التي تزعجنا، وهي أنه يضعنا أمام ملاك الموت، ليذكرنا بتلك الحقيقة التي تنتظرنا كبشر: الموت، الذي لامهرب منه.

وعلى هذا الصعيد الفني والتشكيلي يرج وعينا بالحقيقة، وبالمصير البشري.
إن الملاك الذي يظهر في اللوحة ليس هو ماحملته مخيلتنا عنه، إنه شيء مختلف.

لكن، لماذا اختار يوسف الحداد في لوحته المرأة العارية ذات النهود المكشوفة وهذه الحقيقة التي لامهرب منها؟!… الجواب معقد، ولكن هذا لايمنعنا من الجواب: لأن المرأة هي التي تلد، تخلق، إنها الحياة، ولكن في صلب هذه الحياة التي تعطيها لنا، هي أيضا تكشف لنا، في جوهرها، عن الموت. إن المرأة تحمل هذا الإزدواج: الحياة والموت، وما الجمجمة البشرية إلا دال الموت تشكيليا.

لننتقل الآن إلى ألوان اللوحة: تبدو الألوان في اللوحة ممتزجة ومتفرقة كما لو أن كل لون يعبر عن معنى، ولكنه لايحدده، ففي وسط اللوحة هناك الجسد العاري للمرأة ذات النهود المكشوفة الفاتنة كملاك، والذي يذكرنا بالعري الأصلي، وهو البياض ( اللون الأبيض): ذلك النور المشع السماوي، الماوي (من الماء)، واحمرار خفيف، في الوجه من الجانب الأيسر، وبياض من الجانب الأيمن، وشعر بذات اللون المذكور، مع خطوط صغيرة زرقاء، وهي ألوان تعكس الطبيعة الحزينة لهذا الملاك، وفي يمين اللوحة ويسارها لون أزرق قوي مرسوم بمهارة إبداعية فاتنة ومؤثرة ومضروب بصلابة وقوة بفرشاة تتحرك على جنباتها، و تلمح إلى الحزن الذي يخيم على نظرة العين اليمنى الغائمة والملتبسة الموجهة للمتلقي، والأخرى الواضحة المنحنية التي تسائلنا عن مصيرنا.

وإذا تأملنا بعين النسر مايوجد تحت الدراع القوية واليد والأصابع التي تمسك بالجمجمة البشرية، وما يوجد خلف جسد الملاك، سنلفي أنفسنا أمام ألوان رمادية وسوداء متجمعة من تحت، ومتفرقة من فوق كما لو أنها غيوم رمادية ملمحة إلى الحزن.

لقد كان يوسف الحداد موفقا في هذا المزج اللوني بين الابيض والأسود والرمادي والأزرق ليلمح إلى مشهدية تشكيلية حزينة وجنائزية تلمح ببراعة إلى الحقيقة الأبدية: الموت، حيث أن ملاك الموت المرعب قائم وقادم!

Loading...