عاش ياكابتن: نموذج آخر للفيلم العشوائي

أمير العمري

من أهم خصائص الفيلم التسجيلي الجيد تركيزه على الموضوع الذي يريد مخرجه وصانعه أن يتناوله. من الممكن أن يلجأ مخرج الفيلم إلى استخدام الكثير من العناصر المرئية والصوتية، سواء الموجودة في الواقع أو تلك التي يمكن أن يخلقها خلقا لتأكيد رؤيته، شريطة أن يكون ملما بكل دقائق هذه العناصر التي يستخدمها، وأن يكون أيضا مسيطرا على دقائقها وتفاصيلها بحيث لا يطغي عنصر على عنصر آخر.

من الممكن له أن يستخدم الكثير من الشخصيات التي يتابعها في مسارها اليومي- الحياتي، أو يستمع إلى تجاربها الخاصة، أو يطلب منها إعادة تمثيل مواقف ما تدفع سياق الفيلم وتضيف إلى موضوعه وتؤكد على ما يريد المخرج توصيله للمشاهد أو ما يرغب في تحقيقه من “تأثير” حتى لو كان تأثيرا مجردا، جماليا.

لم يعد ممكنا أن نكتفي بالقول إن الفيلم التسجيلي الجيد هو الذي يكون مخلصا في تسجيله للواقع. فمهما بذل المخرج من جهد فهو لن يستطيع في النهاية، تقديم الواقع كما هو، بل ستظل هناك زاوية ما للرؤية، أو صورة محددة للواقع يريد المخرج نقلها إلينا كمشاهدين، وتفاصيل معينة في الصورة هي التي تحظى باهتمامه.

من حق السينمائي أن يختار البناء الذي يراه مناسبا، لكن يتعين عليه السيطرة على كل عناصر الفيلم لكي يدفعها في اتجاه الموضوع الذي يرويه الفيلم أو يناقشه. والفرق كبير بين الفوضى المنظمة والفوضى العشوائية.

كان هذا ما سبق أن كتبته كمدخل لتحليل عشوائية فيلم “الطريق لوسط البلد” (2012) للمخرج شريف بنداري (من مصر). وأجده اليوم ينطبق تمام الانطباق على فيلم مصري تسجيلي جديد هو فيلم “عاش ياكابتن” (للمخرجة مي زايد) الذي لا يمتلك مقومات الفيلم التسجيلي بل ولا مقومات الفيلم السينمائي أصلا، فبعد 45 دقيقة (والفيلم كله يقع في نحو 90 دقيقة) يفقد المرء اهتمامه لعجز مخرجته التام عن سبر أغوار موضوع فيلمها وفشلها في النفاذ إلى الشخصية التي يتركز عليها اهتمامها، وهو اهتمام سطحي تماما أي من الخارج فقط، كما أن الكاميرا تسرح وتمرح كيفما اتفق ومن دون أي سياق ويعجز المونتاج عن الربط بين أوصال قصة لا وجود لها أصلا. ومن دون دخول في تفاصيل الموضوع والشخصية يكفي القول إنه: لا قصة، ولا سياق، ولا ترابط، ولا تعمق في الشخصية. بل مجرد تصوير عشوائي لما تتصور مخرجة الفيلم أنه قد يهم أحدا غيرها، أما الحقيقة فهي عكس ذلك. بكل أسف!

وطبعا مثل هذه الأفلام “البدائية” التي تجعلك تظن أن السينما كفن ظهر قبل ساعات فقط ولم يمض عليها أكثر من 125 سنة، يمكن أن تثير حماس بعض جمهور الأفلام الذي لم يشاهد نماذج حديثة من السينما التسجيلية في العالم، ولا يعرف الفرق بين الريبورتاج التليفزيوني المثير للمشاعر، وبين الفيلم التسجيلي السينمائي الذي يجب أن يكون له بناء فني وإيقاع.. ولا يكتفي بلملمة عناصر بصرية من هنا وهناك وكيفما اتفق واتيح لمخرجته. فكما أن المخرجين في حاجة الى تدريب على صنع الأفلام التسجيلية، هناك أيضا حاجة إلى “تدريب المتفرجين” على كيف يشاهدون الفيلم التسجيلي بشكل خاص، وكيف يمكنهم الاستمتاع به حقا.

ويكفي أن أختتم ما كتبته هنا بما سبق أن كتبته عن الفيلم “العشوائي” (الطريق لوسط البلد): من المعروف في الفن السينمائي، أن الفيلم، سواء الروائي أو التسجيلي، الذي يحتوي على لقطات منفصلة جميلة في حد ذاتها، لا يكون بالضرورة فيلما جيدا، بل قد تصبح مثل هذه اللقطات “الجميلة” عبئا عليه، كما أن ليس كل ما يلتقطه المخرج- أو صانع الفيلم، من لقطات أثناء تصوير الفيلم، تصلح لأن يضمها إلى جسد الفيلم. فالفيلم له منطقه الداخلي الخاص. وكل مشاهده وشخصياته يجب أن تخضع لهذا المنطق، مهما بدا هناك من فوضى “ظاهرية”.

ولا أرى أن أن فوز الفيلم بعدد كبير من جوائز المهرجانات كفيل بأن يصنع منه عملا جيدا يبقى في ذاكرة السينما، ولا في ذاكرة أحد!

Loading...