الفنان المقتدر عبد القادر العبدي

بقلم: الحبيب توحيد

من بين الأعمال المتميزة، ما يبدعه الفنان التشكيلي ابن مدينة تطوان عبد القادر العبدي من أعمال خلابة وساحرة للمشاهد، إبداعات تعتبر إضافة نوعية وبصمة خاصة لما ينجز في المجال التشكيلي بهذه المدينة.

فهو يبصم الساحة الفنية بلوحات فيها من المواصفات ما يمنحها تميزها وخصوصيتها الإبداعية. أعمال ممتعة تجسد عصارة خبرة وتفاعل واحتكاك بالمجال التشكيلي المفتوح لتعدد التجارب والبحث عن بدائل ممكنة وجديدة تثري الإبداع وتدفع به نحو التطور والتجدد بصيغة أو بأخرى.

المنجز الإبداعي للفنان متّشح بالسّمة الواقعية بلمسات تحبّب المَشاهِد التي يموقعها في كل أعماله، أعمال فنية تحمل مشاهد يومية في فضاءات مختلفة.

موضوعات لها علاقة بالناس مستقرين، متنقلين، ومتأملين… مشاهد يحسن الفنان انتقاءها وجعلها ثيمات لأعماله الفنية الجميلة، وكأنه يتصور ويستحضر وقعها على نفسية المشاهد قبل أن يقتنصها وينتقيها موضوعات للوحاته. وهو في ذلك مائز الإخراج لوضعيات الأماكن والشخصيات بملامحها ومظاهرها بما تحمله من مشاعر الحب والفرح والتفكير. وحين تقف أمام لوحاته تنجذب إليها وتنخرط في أجوائها لتعاين ما يسري في فضاءاتها من حركة تجسدها الشخصيات بحركاتها وتنقلاتها وقسمات وجوهها… لوحات بهذا المنحى، لوحات تستبطن دينامية تجعلها ساحرة بعيداً عن السكونيّة والجمود.

ينسج عبد القادر العبدي لوحاته بجمالية تحببه إلى أجيال ذلك أن عمق الجمالية فيه يدركها المبدع قبل غيره ووفق مقاييس جمالية تدفع إلى التفاعل معه تفاعلاً وجدانياً وتأملياً، إلى جانب اختيار الشخصيات الحاملة لأشياء من التراث، أو ضمن فضاء يحمل معماراً له علاقة بالماضي…

فتجد الرجل بعمامته وجلبابه يمارس حرفته في التجارة وتجد المرأة بمنديلها وقفطانها ودملجها وكل ما يحيل على تراث المدينة التي ترعرع بها جميل يقاوم الزوال ويقاوم الإهمال. والفنان في هذا الإطار يمتلك دقة الاختيار ودقة الموضعة للشخصيات وكل مفردات اللوحات بشكل رائع و جاذب في لوحة تجسيد لسوق بأهله وهو في حالة البيع والشراء، وفي لوحة جماعات من الناس بأعمارهم المختلفة منهم الغادون ومنهم الرائحون في حركة دائبة، وفي لوحة شيخ معتزل في زاوية يمارس حرفة صنع القفف… لوحات آسرة بهية الملمح فريدة المفردات بالشكل الذي حوّلها إلى ما يشبه شاشات تقدّم المعيش اليومي والتراث العريق عبر أشكال وألوان متوهجة ومبهجة.

في كل أعمال الفنان تجانس جلي من حيث أسلوبه وتقنياته ولمساته، الأمر الذي يجعلك تدرك انتساب اللوحة إليه حتى ولو لم يقم بتوقيعها، دقة في الظلال ودقة في الأبعاد علاوة على الدقة في الاختيارات اللونية المتعددة التي تقتضيها كثرة المفردات التي تنحشر في ذات اللوحة بكل المقومات التي ترفعها إلى المقامات الجمالية التي أشرنا إلى بعضها.

سحر الألوان ودقة تنسيقها ودمجها واللمسة وحسن الاستنباط لمشاهد دون أخرى… كله تجد له حضوراً قوياً في كل أعمال هذا الفنان، أعمال ستظل تشدنا إلى واقعنا كما هو، بعيداً عن إبداعات تعتمد الخيال والترميز وغيرهما.

هذا الفنان يعاني حاليا في صمت مع المرض دون أن يحرك المسؤولون في بلادنا عن هذا الميدان ساكنا لا سيما وزارة الثقافة و نقابات الفنانين مما يطرح علامات استفهام كثيرة من قبيل:- من ستحفظ كرامة الفنان المغربي في حياته قبل وفاته- لم لا تشمل التغطية الصحية الفنانين في ظلالوضع المادي المزري الذي يعيشونه.

لكن، وللأسف واقع الفن ببلدنا الحبيب متأزم جدا و يلفظ أنفاسه الأخيرة “و لمن تعاود زابورك آ داوود”.

Loading...