“أقواس السويقة” المولود الروائي البكر لمصطفى شهبون

بقلم؛ رشيد الأشقر     

أخيراً، وبعد طول شوق وانتظار، تخرج (أقواس السويقة) إلى عموم القراء، بعدما عاش بعضُنا مخاض ميلادها الرقمي على الجدار الفايسبوكي لصاحبها الذي كان ينشرها، قبل عامين تقريباً، حلقات أسبوعية متسلسلة. وقد حظي العمل ساعها بمتابعة قرائية مكثفة، وبردود أفعال مُحفّزة جعلت الكاتب يقرّر نقلها من الوجود الافتراضي إلى التحقّق الورقي.

(أقواس السويقة) هي أوّل مغامرة كتابية لصديقنا وحبيبنا الأخ مصطفى شهبون. أقول «مغامرة»، لأنّ الرجل قضى معظم عمره داخل لغة الجداول والإحصاء والبيانات، قبل أن يجد نفسه متورّطا داخل مجازات اللغة ومتاهات السرد الحكائي الطويل. وعليه، لا نملك سوى رفع القبّعة، والتصفيق بحرارة لجرأته الأدبية، وجسارته الإبداعية، وقدرته على اقتحام عالم التخييل والهلوسة والجنون العذب الجميل.

(أقواس السويقة)، ليست محض سيرة ذاتية لصاحبها كما قد يتوقّع البعض، وإنما هي – على الرغم من الحظور اللافت للعنصر الذاتي فيها – سيرة للفضاء المكاني بكلّ أبعاده الفيزيقية والثقافية والنفسية، في علاقته الجدلية بهموم الشخصيات وأحلامها وتوجّساتها حيال قضايا واقعها التاريخي. وهي بذلك، إنما تمضي على خُطى العديد من روايات الأمكنة التي يحفل بها تاريخنا الأدبي، على غرار (الثلاثية) و(الحرافيش) و(زقاق المدق) و(خان الخليلي) و(أولاد حارتنا) وغيرها مما كتبه عمدة الرواية العربية، الأستاذ نجيب محفوظ، تحت خانة ما يُمكن تسميته بـ «رواية الحارة الشعبية»، وهو النمط الروائي الذي قاد صاحبه نحو مدارج العالمية.

وهنا تكمن – في تقديري – أهميّة هذا العمل البكر لصديقنا مصطفى شهبون؛ وهو يُضيف واحداً من أعرق الأحياء التطوانية العتيقة (حيّ السويقة السّفلى) إلى الذاكرة الأدبية والروائية المغربية، بعد حي (باريو مالقة) للمرحوم محمد أنقار، وحيّ (الطالعة) في رواية (سرير الأسرار) للروائي والسيناريست المتألق البشير الدامون، في انتظار أن تلج أحياء وحارات تطوانية أخرى مماثلة عالم السرد الروائي، بما تحمله مثل هذه الفضاءات المكانية بين دروبها وأزقتها ودورها من قصص وحكايات ونماذج بشرية لا تقلّ روعة وفتنة عما نطالعه في كبريات السرديات العربية والعالمية.

من هذا المنظور، فإنّ (أقواس السويقة)، من الروايات الحميمة التي ينبغي أن تُقرأ بالقلب وبالوجدان، بعيدا عن صرامة المقولات النقدية والضوابط التقنية التي تحاصر صنعة الكتابة الروائية. إنها رواية مكتوبة بشحنة عالية من الصدق الفني، والشفافية اللغوية، والمتعة الحكائية، تجعل منها نموذجا لكتابة أدبية «عذراء»، تربأ بحرفها عن كلّ تكلّف أو ادّعاء أو بهرجة أسلوبية خادعة.

وإذا كانت العادة قد جرت باستقبال الأعمال الأدبية الجديدة بما يليق بها من حفاوة وتهليل وتبريك، فإنّ (أقواس السويقة) لمصطفى شهبون، تفرض علينا أن نتقدّم إلى صاحبها بكلّ آيات الامتنان والعرفان، لأنه قد ناب عنّا جميعا، وبالتخصيص نحن من عاش وأقام بهذا الحي التليد، في تحريك بقايا ذاكرتنا المهملة، والتوثيق لجانب من تاريخنا الشخصي والجماعي الضائع بين تصاريف الزمن.

فشكراً لك أخي مصطفى، لأنك انتشلتَ من بين براثن النسيان، جزءاً من صِبانا ويُفوعنا المبكّر. 🟢🟡🟣

Loading...