مصطفى بودغية وسواد الاستبداد

يوسف خليل السباعي

هناك كتاب يكتبون في مواضيع مختلفة، وفي أجزاء متنوعة، وهذه مسألة محمودة، وليست غريبة، كما قد يتصور البعض، لأن هناك مايسمى بتداخل الكتابات، ثم، إن الكتابة ليست لها حدود، ولاتحسب حروفها بالسنتمترات. ومن هؤلاء الكتاب مصطفى بودغية.

لايقف مصطفى بودغية عند حد، فقد كتب في المجال الصحفي، وله مقالات منشورة في مجموعة من المنابر الإعلامية، وفي مجلات، أيضا، كما كتب قصائد في مايتعلق بالشعر، وتشظيات مفعمة بفيض الشعر، وفي السينما، والقضايا الفلسفية، وتكلم فيها، وحاضر فيها، أيضا، و له اهتمامات سياسية دون أن أن أتحدث عن انتمائه الحزبي من مدة زمنية طويلة، وهو أمر يعرفه كل من هو مقرب منه، وغيرها من المجالات الأخرى، وكانت له قراءات في أعمال تشكيلية وغيرها، ومالا أعرفه عنه هو أكبر من ما يعرفه مصطفى بودغية عن ذاته، حيث لايمكن لي أو لأي أحد أن يختزل حياة شخص في كلمات، فالكلمات دائما ناقصة، ومبتورة، ولايمكن أن نصل بها إلى “حقيقة” حياة شخص ما، مانكتبه عنه ليس إلا نثار كما هو حال نثار النخلة، وكتابات مصطفى بودغية كالنخليات، ولكنها ليست ملتبسة، ولكنها عميقة في عرفانيتها، وخصوصيتها، واختلافاتها، وتنوعاتها، بل وغطسها الأغور في ماهو مسكوت عنه، وهامشي، في الثقافةو السياسة والمجتمع ، إخ.

ولكن بما أنني أتكلم هنا عن ذاكرة صحفية، فإن مصطفى بودغية لم يكتفي بالكتابة في الصحف والعمل معها والتعاون معها، وإنما كان، ولايزال، ينتقد الأشخاص الذين يسيؤون للجسم الصحفي وقاموا بتلويثه، وهؤلاء يريدون السيطرة على الجسم الصحفي وتسييده وتسييجه حيث يخلو لهم الجو للعب براحتهم، لكن ✏️ قلم مصطفى بودغية لاتحركه ريح، ولا ترهبه ثعالب ولا حتى ذئاب، إنه قلم صلب كالجبل الذي لاتهزه الريح.

كتب مصطفى بودغية في نص عنونه ب”الصندوق الأسود”: “ليس الصندوق الأسود أسوداً بسبب لونه، وإنما لما يحويه من أخبار سوداء حول فاجعة مجللة بالسواد. كذلك بعض الوجوه نقول عنها إنها سوداء ليس بسبب السواد الناتج عن تفاعلها المستمر مع لفحات أشعة الشمس، وإنما بسبب ما تضمره أو تعلنه من عنف وعدوانية وكراهية وخبث للمختلفين عنها في الرأي أو في العقيدة أو الطائفة أو في العرق، وجوه سوداء لما يهدف إليه أصحابها من إلغاءٍ ومسحٍ بعنف معنوي أو مادي كل مختلف. وجوه سوداء لا تحب أن تسمع إلا صوتها وتسعى بكل عنف أسود حاقد إلى إخراس كل صوتٍ مختلف. إنه سواد الاستبداد”.

إن مصطفى بودغية يؤمن بالاختلاف ويمقت الصراع، والكراهية وتهميش الآخر، وبكلمة واحدة، إنه ينتصر لفكرة الحرية، ليس فقط على مستوى التعبير والكتابة، وإنما على مستوى الفعل، أيضا. ومن هنا صلابته، وقوته الفكرية. وبما أني أتكلم عن الذاكرة الصحفية، فإن مصطفى بودغية ينتصر لحرية الصحافة ضد التسلط، والهيمنة، والارتزاق، والفخفخة، والتكبر والعلو عند مالا قدرات صحفية لديه.
والواقع أن الصندوق الأسود كائن في الصحافة بلا منازع.

Loading...