أوراق المجانين – الحلقة 19: هؤلاء المجانين الكبار وكتاب ميشيل فوكو عن “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”

يوسف خليل السباعي

أعرف من خلال قراءات متعددة ومختلفة أن بعض الفلاسفة والكتاب والفنانين كانوا يعانون من الجنون، ولم يظهر ذلك إلا في أواخر حياتهم. أذكر، على سبيل المثال، بعضهم كما هو حال نيتشه وفان خوخ؛ نقرأ في صفحة Van Ghog: The Life:” عندما خرج فينسينت فان خوخ من المستشفى في يناير من عام 1889 بعد انهياره العقلي الأول في ديسمبر، عقد العزم على تبني أسلوب حياة أكثر صحة. في هذه اللوحة، وهي واحدة من أولى اللوحات التي أكملها عند عودته إلى البيت الأصفر، يصور الفنان “Manuelle annuaire de la santé” (الصحة السنوية) للفنان F. V. تمثل اللوحة المجاورة من البصل النابت ووعاء زيت الكافور اثنتين من توصيات Raspail لصحة جيدة”.
لقد عاش فان خوخ حياة صعبة، وحزينة، وأصيب بالجنون، لكنه ترك لوحات جميلة ورائعة، لم تعطى لها الأهمية القصوى إلا بعد انتحاره.
ومع أن هذا الفنان أصيب بالجنون، إلا أنه كان يرسم، وخير دليل هو اللوحة التي ستشاهدونها في هذه الحلقة من أوراق المجانين.
إن ما يبهرني في نيتشه هو نظرته وهو على الفراش قبل أيام من وفاته، وهو مصاب بالجنون؛ كانت نظرته غامضة. نظرة قوية، وغير مفهومة ككتاباته الفلسفية الشاعرية الصارمة.
إن جنون نيتشه هو جنون فريد، ملتبس، لايمكن فهمه على الإطلاق، كما هو حال نظرته الأخيرة.
وعندما نلقي نظرة على سيرة إدغار آلان بو، نرى أن هناك خيط رفيع بين الذكاء والجنون، وكان إدغار يتمتع بذكاء حاد، هو الحالم المرعب، صاحب الأسلوب الأدبي القوي والمتفرد، أو لنقل، كما كشفت عن ذلك صفحة Zuixmedia أن ثمة بين الذكاء والجنون شعرة.
يقول إدغار آلان بو:”لقد وصفني الناس بكلمة مجنون، لكن المسألة غير مبتوت فيها بعد، فيما إذا كان الجنون أسمى درجات الذكاء أم لا”.
لا شك بأن معظم العباقرة كانوا غريبي الأطوار، ويرى الأطباء أن العبقرية نفسها نوع من الجنون الفريد، لأنها تحمل نوعاً مختلفاً من التفكير والتصور.
فمثلا، تشارلز ديكنز (أشهر القصصيين الإنجليز) كان يخرج من منزله ليلاً ويسير مسافات طويلة جداً بلا هدف، ويدخل على أصدقائه من نوافذ منازلهم بحجة مفاجأتهم.
أما فولتير، كان يضع إثنا عشر قلم رصاص على الطاولة قبل البدء بالكتابة، وبعد أن ينتهي يكسرها جميعها ويضعها تحت وسادته!
يبدو أنه لا يوجد حد فاصل بين العقل والجنون، فكل إنسان به درجات من الاثنين، لكنها تختلف من شخص لآخر”.
من جانب آخر، وفي هذا النطاق، ثمة كتاب هام جدا لميشيل فوكو بعنوان:” تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، لم أقرؤه، ولكنني اكتفيت بترجمة مقال عنه لرولان بارت في كتابه ” أبحاث نقدية” في التسعينيات؛ ومع الأسف، هذا المقال المترجم ضاع كما ضاع كل أرشيفي المحترق!… وبالصدفة، وأنا أتصفح ال”فيسبوك”، باحثا، عثرت على نص رائع بخصوص هذا الكتاب للكاتب عبد السلام دخان.
كتب عبد السلام دخان:” يسعفنا درس ميشيل فوكو Michel Foucault في فهم طبيعة مفهوم الجنون، خاصة عبر كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، والذي تناول فيه العلاقة بين الجنون والعقل منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين. الكتاب، الذي ألفه ميشيل فوكو أثناء إقامته بالسويد (1961)، كان عملا جينالوجيا دقيقا ركز على فحص وتحليل الأفكار والممارسات والمؤسسات والفنون والآداب. لقد بين ميشيل فوكو طبيعة هذا الجنون في منعطفات تاريخية حاسمة وكيف أن مؤسسة الطب النفسي متواطئة مع مؤسسات القمع الأخرى في المجتمع. الجنون عشق «والعشاق إذا اشتاقوا ذلوا»، الأمر يحيلنا على سؤال الحرية التي تهبنا القدرة على السفر وركوب المخاطر.تسعى القيم والتقاليد إلى بسط سلطة الخضوع ويسعى الجنون إلى الخروج عن هذه التقاليد وحالة العقم من أجل امتلاك إرادة الذات والإنصات لخفقان القلب وتلمس ألوان الحواس ومراقبة العالم وهو يضحي بإنسانيته لصالح بربرية مالكة لوسائل تقنية متوحشة. إنه الطاقة العاطفية التي تجعلنا نخرج عن وهم التوازن الذي تولده لدينا مؤسسات (القيم،العمل،الزواج..) حقا لقد توقف آرثر رامبو عن الكتابة لأنه فقد كمية كافية من أوكسجين الحياة.ولقد توقف عدد من الشعراء والأدباء عن الكتابة لان اكراهات الحياة جعلتهم كائنات بلا طاقة إبداعية.الجنون هو القدرة الامتناهية على اللعب والمرح والتغني بالحياة بكل إخفاقاتها.انه الإمكانية الوحيدة التي تجعلنا بالقرب من خادمات ماركيز وفاتنة لوركا اقصد الفتاة الذهبية التي تستحم في النهر فيكتسي الماء لون الذهب”.
وفي صفحة ” آفاق فلسفية” نقرأ عن تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي
تأليف: ميشال فوكو / ترجمة: سعيد بنكراد، الآتي:” يعد هذا الكتاب أول عمل نظري متكامل، بل يمكن اعتباره الانطلاقة الفعلية لمشروع نظري ضخم امتد على ما يقارب ربع قرن كانت مادته الأساسية “الخبرة الإنسانية” في لحظات إبداعها لأشكال العسف المتنوعة للحد من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود “المعقول” و”العقلاني” و”المستقيم” و”الرزين” للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية “حدود إضافية” غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء.
والكتاب زاخر بمعرفة علمية تخص الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكات “الغريبة” و”الشاذة”، وكذا الاندفاع نحو حدود لا تتوقف عن التوغل في المجهول. لذلك فهو يتحدث عن “الطب العقلي” و”السيكولوجيا” و”التحليل النفسي” وكل الأشكال العلاجية التي أعقبت العصر الكلاسيكي معلنة عن ميلاد “المجنون المريض” الذي سيخلف المجنون “الدرويش” و”الوحش” و”الشاذ”، تماماً كما سيخلف المارستان والعيادة دور الحجز والمستشفى العام.
ولكنه يتحدث أيضاً عن ممارسات السحر والشعوذة والطقوس الاستثنائية، ويتحدث، وهذا هو الأساس، عن العوامل الرمزية وكل الصور المخيالية التي أنتجتها المخيلة الإنسانية من أجل رسم حدود عالم غريب هو عالم الجنون والمجنون المليء بالصور والاستيهامات، والمليء أيضاً بأشكال النبذ والإقصاء (سفينة الحمقى), فكل شيء يتحدد، ضمن هذه العوامل، من خلال التقابل الذي لا يرى بين “حقيقة الجنون الموضوعية”، التي ستعرف طريقها عاجلاً أو آجلا إلى مستشفى الأمراض العقلية وبين العوالم الثقافية التي تستثيرها شخصية المجنون”.
وبخصوص هذا الكتاب الرائع، والعميق معرفيا، كتب الصحفي عمر أجانا:” تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (بالفرنسية: Folie et déraison: Histoire de la folie à l’âge classique) كتاب صدر عام 1961 للباحث ميشيل فوكو، كتبه عندما كان في السويد. وفيه يفحص الأفكار والممارسات والمؤسسات والفنون والآداب المتعلقة بالجنون في التاريخ الغربي.
يبدأ الكتاب في العصور الوسطى، ليشير إلى العزل الفيزيائي والاجتماعي الذي أحاط بالمجذومين. يقول فوكو بأنه ومع الانحسار التدريجي للمجذومين في المجتمع، تم ملء الشاغر من خلال المجانين، فالعزل ظل موجوداً لكن موضوع العزل تغير. أمثولة سفينة المجانين التي ظهرت في القرن 15 هي تعبير حرفي عن هذا الاستبعاد، إذ تم إرسال المجانين بعيداً على متن سفن تجوب الأنهار الأوربية من دون قبطان.
وقد وقعت حركة خلال القرن السابع عشر في أوروبا ويتميز فوكو بوصفه لها بأنها الإرهاص العظيم، الأشخاص غير العاقلين من الناس كانوا يحتجزون بعيداً من خلال مؤسسات. في القرن الثامن عشر بدأ اعتبار الجنون نظيراً للعقل، وأخيراً في القرن التاسع عشر بدأ مصطلح “المرض العقلي” يأخذ مكاناً له. ويجادل فوكو بأن الجنون فقد قدرته على الدلالة على أهمية حدود النظام الاجتماعي وبالتالي توضيح الحقيقة وتم إسكاته من خلال العقل. يتفحص فوكو ظهور المعالجات العلمية و الإنسانية للمختلين، التي ظهرت على يد فيليب بينيل وصموئيل توك. ويزعم فوكو بأن هذه المعالجات لم تكن في واقع الأمر أقل “سلطوية” من تلك السابقة لها. فقد اعتمد توك في سعيه لعلاج المجنون على معاقبته حتى يتعلم السلوك “العاقل”. كذلك الأمر بالنسبة لفيليب الذي اعتمد معالجات منها الحمام البارد. من وجهة نظر فوكو، يتصاعد هذا العلاج حتى يستدخل المريض هذا النمط من العقوبة..
كتاب جدير بالقراءة”.
إنه، فعلا، كتاب ضخم جدير بالقراءة! لكن متى ستتحقق الرغبة في قراءته، ذلك الأمر الذي لا أعرفه!

– انتظروا الحلقة 20 والأخيرة من ” أوراق المجانين” قريبا.

Loading...