لا حديث هذه الأيام سوى عن كأس العالم 2022 بقطر حتى خلت كرة القدم ديانة اعتنقتها البشرية جمعاء وأضحت خلاص لها-خاصة الشعوب العربية الاسلامية-من آلامها وحروبها ونكباتها وخلافاتها المحلية والإقليمية والدولية التي لا تكاد تنتهي، فالمواطن العربي/المغربي العاشق للرياضة الأكثر شعبية في العالم يعلق عليها كل آماله وأمنياته بعدما خدعه الساسة وأثقلته الحياة هموما ولم يهتد دونها للفرحة المنشودة ساعة ونصف وأحيانا أكثر يهب فيها جوارحه لفرق ومنتخبات وينسى أو يتناسى بؤس الحياة الذي تركه خلفه وانغمس في حياة من اختيار أهوائه.
كرة القدم أفيون الشعوب:
“كارل ماركس” لما قال: (الدين أفيون الشعوب) كان مخطئا فلو كان موجودا في زماننا لقال إن الكرة أفيون الشعوب أو على الأقل أفيون الشعوب العربية وفي نفس السياق قد قال الكاتب “وحيد غازي” في روايته (مدام شلاطة): (نحن في عصر، السيقان تدر فيه أكثر من العقول، سيقان الراقصات، وسيقان لاعبي الكرة)، وهذه مقولة صحيحة مئة بالمئة فسيقان لاعبي الكرة تدر الملايين على أصحابها من اللاعبين والمدربين ومساعديهم أما الجماهير العاشقة للكرة فلا تحصل على أية منفعة مادية بل إنها تخسر كثيرا من المال والوقت لتتمكن من حضور مباراة في كرة القدم ،لكن لو قلنا إن الجنون الكروي قاصر على شعوبنا العربية فقد ظلمنا هذه الشعوب التي ننتمي إليها لأن هذا الجنون موجود أيضا في كثير من الدول التي تسبقنا في كل شيء ولكن هناك في هذه المسألة بالضبط خيبات تخص العرب أكثر مما تخص غيرهم:
+العرب الوحيدون الذين يصدرون علماءهم ونوابغهم للغرب ويستردون مقابلهم مدربي كرة قدم،
+العرب دون غيرهم أصبحت انتصاراتهم وفتوحاتهم في كرة القدم دون سواها،
+العرب دون سواهم يقبلون الهزيمة الرياضية من أية دولة في العالم لكن لا يقبلونها من بعضهم،
+العرب وحدهم لم يعد لديهم مجد يسعون للوصول إليه إلا المجد الكروي،
في العالم الغربي كان “موسوليني Mussolini”و”فرانكو fɾaŋko” نموذجان للأنظمة الديكتاتورية التي استخدمت الرياضة وكرة القدم على الخصوص لتوطيد حكمها وكسب شعبية وإشغال الناس بمتابعة المباريات الرياضية بدلا من متابعة السياسة وممارستها ولإلهائهم عن قضاياهم الحقيقية ومعاناتهم ، فالأول وفي سنة 1938م وقبل مباراة نهاية البطولة الثالثة لكأس العالم في فرنسا بين المجر وإيطاليا أرسل برقية للاعبي الفريق الإيطالي تحمل عبارة (انتصر أو مُتْ) والتي اعتبرت تهديدا مباشرا للاعبين الإيطاليين للفوز في المباراة أو ستكون عاقبتهم وخيم ، أما الثاني استخدم الرياضة وكرة القدم خصوصا لتعزيز سلطته وكسب شعبية داخل إسبانيا وخارجها ولما كانت مدريد مركز أنصاره وانقلابه العسكري وكانت برشلونة مركز مناوئيه الذين حاربوه خلال الحرب الأهلية دعم نظامه بقوة فريق ريال مدريد Real Madrid لكرة القدم على حساب فريق برشلونة Barcelonaولازال هذا الصراع قائما بين القطبين تحت شعارالكلاسيكو El Clásico.
في العالم العربي الإسلامي لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للفرجة والمتعة بل تحولت إلى صناعة وتجارة واستثمارات وتسويق وفوق ذلك هي لدى البعض مخدر لإلهاء الشعوب عن مشاكلها الحقيقية ولضمان سلم الشارع كي لا تنزعج الأنظمة الحاكمة في مواقعها ولذلك توفر لها الأموال والعطاءات، ففي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين(21) كادت تندلع حرب بين الجزائر ومصر في مواجهات بين منتخبي البلدين في التصفيات المؤهلة إلى مونديال جنوب أفريقيا عام 2010 ليكتشف لاحقا أن النظامين السياسيين الحاكمين آنذاك هما من كانا يقفان وراء حملة الحشد والأحقاد والضغينة بين الشعبين، فنظام “مبارك” كان يريد الوصول إلى توريث الحكم عبر بوابة إلهاء المصريين بإنجاز المنتخب ونظام “بوتفليقة” كان يريد كسب نقاط مهمة في سلم الشعبية من أجل الإستمرار في السلطة على حساب الدستور القائم آنذاك.
في المغرب لكرة القدم تاريخ طويل ومثير فسحر اللعبة يأخذ العقول لكن التوظيف السياسي للرياضة وكرة القدم تحديدا تجاوز المنطق لدى الكثير من الساسة فذلك مؤشر على أن اللعبة لم تعد مجرد فرجة ومتعة بل أصبحت مخدرا سياسيا للشعب كي لا ينتبه إلى مشاغله وقضاياه الحقيقية، أصوات مغربية تصاعدت على شبكات التواصل الاجتماعي لتتساءل لماذا في كل مرة يعرب كبار مسؤولي الدولة عن وقوفهم وتضامنهم مع المنتخب في كل الظروف ولم يعبروا عن ذلك تجاه باقي فئات الشعب التي سحقها الفقر والغلاء والبطالة…؟ وهي رسالة واضحة على أن إنجازات المنتخب مهما كانت إيجابية ومفرحة لا تغطي الواقع الحقيقي الذي يعيشه المغاربة، شرائح واسعة من المجتمع المغربي من العامِّي إلى المثقف ومن الغني إلى الفقير تجدهم مشدودين أمام شاشات التلفاز لمشاهدة كرة القدم ينسون خلالها همومهم الحقيقية وينشغلون بِـقضية مصطنعة وهمية، فالرياضة الأصل فيها أنها للهو والتسلية فقط أصبحت قضية مصيرية للشعب وأصبحت لها الأولوية تؤخر من أجلها أعمال ومهام اجتماعية بل دينية حتى.
فكرة القدم أصبحت دينا ينهل منه الجمهور أوهام جنة ليست بجنة ونارٍ ليست بنار بل أفيونا يتحكم في مزاجه وينسيه قضاياه الحقيقية التي خلق من أجلها في الحياة فكرة القدم باتت دينا يبنى على أساسه الولاء والبراء وتهيج له المشاعر ويعادى على أساسه أفراد وأقوام ويسخط عليهم أو يقربون ويحبون وأحيانا يقتل بسببه أفراد وتخرب ممتلكات خاصة وعامة وتشد الرحال لمشاهدة مبارياته وتعطّل أعمال بل إن التركيز والحضور الذهني والروحي الذي يتابع به المتفرج مباراة كرة القدم ولأكثر من ساعة ربما يفوق خشوعه تفانيه في عمله و خشوعه في صلاته التي لا تتعدى بضع دقائق ، وإذا استبدلنا كرة القدم بِـالدين في الكلام الذي كتبه “كارل ماركس” قبل أكثر من 150 سنة فسنحصل على وصف ينطبق إلى حد كبير على واقع كرة القدم اليوم والغرض الذي تخدمه فهي جزءا من السياسة الداخلية والخارجية ومخدرا للجماهير قد تؤدي إلى حروب وقد تقود إلى مصالحات وقد تحقق مصالح فكرة القدم اليوم أفيون الشعوب يفترق الجميع سوسيولوجيا وطبقيا لكن الإدمان عليها يجمع ما تفرق.
عبد الإله شفيشو / فاس