ربيع الرايس
إن النقاش الدائر حول المجلس الوطني للصحافة ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة يلامس جوهر الحاجة إلى استقلال الصحافة كسلطة (معنوية) رابعة حقيقية في المجتمع. إن واقع الأمور يشير إلى أن المهنة قد تطورت، ويتوجب أن يظل ميدانها خالصا لملّاكها الحقيقيين: الصحافيون. وهذا يفترض إعادة النظر في الهياكل والمقاربات الحالية.
لا يمكن، بأي حال من الأحوال، الجمع بين صفة “الباطرون” و”النقابي المناضل ضد الباطرون” في هيئة تنظيمية واحدة. وهي حالة كانت حاضرة في الستينات من القرن الماضي حين كانت الصحافة حزبية ومديرها الحزبي يمارس الصحافة ولو من خلال الافتتاحيات أو الأعمدة، وكان الصحافيون (المهنيون منهم والمراسلون) ينتمون لنفس الحزب المالك للصحيفة.
هذا التضارب في المصالح الذي يمس بمصداقية التنظيم الذاتي للصحافيين، وقدرته على حماية المهنة وأخلاقياتها, تم تجاوزه نسبيا منذ التسعينات، لكن يبدو أنه يعود من النافذة، بل يعود معه “تحكم” حكومي قد يفوق ما كان يتوفر لوزارات الإعلام في تلك الفترات القاسية سياسيا.
يتوجب أن تعود الصحافة إلى أهلها، وأن تكون الهيئات التنظيمية الذاتية للمهنة نابعة بشكل حصري من الصحافيين المهنيين فقط، وأن تقتصر التمثيلية داخل هذه الهيئات على أساس التطوع، مع تغطية مصاريف التنقل والمهام المرتبطة بالعمل فقط، دون تعويضات أو رواتب تشكل “ريعا” مغلفا يسيل لعاب الكثيرين، تضعف استقلال القرار.
أما الناشرون، فمكانهم هو إدارة الأعمال، وليس صياغة أخلاقيات المهنة أو قواعد ممارستها.
وفيما يخص العلاقة مع الدولة، يتوجب أن تتحدد في إطارين واضحين: التنظيم وتطبيق القانون. يجب على الدولة أن تتولى تنظيم توزيع بطاقة الصحافة على أساس معايير قانونية ومهنية شفافة وغير قابلة للتأويل، وأن تطبق القانون بصرامة عند الاقتضاء دون تمييز. هذا هو الدور الحقيقي للدولة لضمان إطار عمل سليم.
الاستقلال الحقيقي للصحافة يبدأ بالاستقلال المالي. يجب أن تعيش الصحافة إما على مواردها الذاتية وتستثمر في جودتها ومصداقيتها، أو أن تندثر لتخلي مكانها لمنابر أكثر قدرة على الاستمرار بشروط السوق الحرة. لا يمكن لصحافة أن تدّعي الاستقلالية وهي تتلقى دعما ماليا مباشرا من الدولة. نقطة التحول الأساسية هي التوقف الفوري والمطلق عن تقديم الدعم المالي المباشر للمؤسسات الصحفية. ويتيح الانترنيت والشبكات الاجتماعية لكل من أراد من المواطنين ان يعبر بحرية عن ىأيه، أو يمارس الإخبار البديل، ضمن القانون.
وفيما يخص الدعم غير المباشر، بالنظر لطبيعة القطاع، يمكن أن يكون على سبيل المثل في بعض التسهيلات (أسعار الهاتف، الإنترنت، الورق، أو التخفيف الضريبي المرتبط بالربحية). طبعا كل هذا يجب توجيهه نحو صيغة مشروطة بـالمردودية الحقيقية والانتشار الفعلي، بدلا من أن يكون مجرد ريع يضمن بقاء منابر ضعيفة لا تسمن ولا تغني من جوع.
بعبارة أدق، يجب أن تكون الكلمة الفصل للسوق والانتشار. والإشهار، كشريان اقتصادي، سيخضع بالضرورة حينها لقوانين السوق التنافسية والانتشار الحقيقي للمنبر الإعلامي…
إن مستقبل الصحافة يكمن في قدرتها على الوقوف على قدميها ماليا وأخلاقيا، بعيدا عن أي وصاية، سواء كانت وصاية الدولة عبر الدعم المالي، أو وصاية أصحاب المال عبر التداخل في التنظيم الذاتي.، فالمال يصلح لخلق المقاولة ومطالبة الصحافيين العاملين بها بالمردودية، وليس التدخل في تنظيمهم المهني.







