د. نزار الدكار – متابعة
تجلت اللغة العربية في أبهى صورها، كنسيم يلامس وجدان الحضور، متوشحة ببردة الفكر والمعرفة، تتنفس من بين الكلمات نفحات الجمال وبلاغة المعنى، وتستدعي المتلقي إلى رحلة بين النص والدلالة، رحلة تتوهج فيها الذاكرة، ويتراقص فيها الطيف، ويتسع المكان، فتتحول كل زاوية وكل صمت إلى فضاء حي ينبض بالحياة والأفكار.
وفي هذا الفضاء الممتد بين الفكر ومقامات العرفان، احتضنت مؤسسة المحور مساء الخميس ندوة ثقافية، ضمن فعاليات ملتقى المحور الثقافي – الدورة الثالثة (2025)، احتفاء باليوم العالمي للغة العربية، خُصصت للغوص في أعماق رواية «المعلم» للروائي خالد أقلعي، اجتمعت الكلمات وتأهب الجمع، وساد الصمت المهيب ليفسح الطريق للتأويل، فأخذت المداخلات النقدية الحاضرين في رحلة استرجاعية تتماهى فيها الذاكرة مع الطيف، والمكان مع الحنين، والشجر مع الحجر.
تميزت المداخلات بعمقها وروحها التأملية، استوحى الباحثون والنقاد ذاكرة النص كبحر هادر، واكتشفوا طيف الشخصيات والأحداث كذوات حية تعانق الواقع، وأعادوا بناء المكان الروائي بكل أبعاده المادية والمعنوية، وتوسلوا بالنظريات النقدية لتصبح الأمسية رحلة استرجاعية، تتقاطع فيها الأفكار والأمنيات المكشوفة والمخبأة مع الذكريات الهانئة المترأجحة بين الأمل والخيبة، فتستيقظ العزائم، ويتحول المكان العادي إلى حضن ناعم للأحلام، وعش للمشاعر، وفضاء تتلذذ فيه النفس باسترجاع الذكريات، وتذوب فيه البيوت الطينية لتصبح قصورا دافئة، ويتراقص الدخان الرمادي بين العين والوجدان، وتشتعل حرارة الحنين إلى دفء الشاي المنعنع وضحكات المساء الغافية على وسادة النور.
وتوزعت فقرات الأمسية بين عروض نقدية متقنة، ومداخلات تحليلية غنية، وحوارات موسعة، جعلت اللغة العربية جسدا حيا يتنفس في فضاء الحضور، وأنفاسها تتجسد في المشاعر والتأملات، وتحول عملية النقد إلى ممارسة حية للنص.

اختتمت الأمسية بتكريم الروائي خالد أقلعي تقديرا لإسهاماته الروائية البارزة واحتفاء بسحر نصه وقدرته على إشعال الخيال وتنشيط الذاكرة، كما وُجهت التحية والشكر إلى جميع الباحثين والنقاد والمبدعين الذين أضاءت مداخلاتهم الأمسية وأسهمت في تحويل الحوار إلى رحلة استرجاعية غنية بالدلالات، لتظل هذه اللحظة علامة مضيئة في سجل الاحتفاء برجالات الأدب في مدينتنا الغالية تطوان.
- Facebook Comments
- تعليقات






