الملك محمد السادس يسبق العاصفة بقيادة استباقية تحمي الإنسان وتصون الوطن
لم تعد الكوارث الطبيعية، في السياق العالمي الراهن، مجرد اختبارات لقدرة الدول على التدخل التقني أو اللوجستي، بل غدت مِحك أخلاقي عميق يقيس موقع الإنسان داخل منظومة القرار العمومي.
ففي لحظات التهديد الوجودي، حيث تتقاطع هشاشة الطبيعة مع ضعف النفس البشرية، ينكشف جوهر الدولة: هل تحضر بوصفها جهاز إداري بارد، أم باعتبارها كيان مؤسساتي صلب يحمل مسؤولية حماية الحياة قبل كل اعتبار آخر؟
ولأن غضب الطبيعة لم يمنحنا بالكاد الفرصة لاستيعاب جموحها، فإن عظمة الدول لا تُقاس بقدرتها على احتواء الكوارث بعد وقوعها، بل بمدى جاهزيتها لمواجهتها قبل أن تتحول إلى مآسٍ إنسانية، ويغدو “البكا مور الميت خسارة”. ومن هذا الأفق الواعي والمتقدم في التفكير والتدبير، تبرز القيادة الحاسمة للملك محمد السادس، الذي جعل من حماية حياة الإنسان معيار “سامي” للفعل السياسي، ومن الاستباق ركيزة أساسية في التعاطي مع المخاطر أيا كان مصدرها.
فبتعليمات سامية من جلالته، تواصل الدولة تعبئتها الشاملة والاستباقية، مجندة بمختلف مؤسساتها وسلطاتها لمواجهة التقلبات المناخية والتساقطات المطرية الاستثنائية التي تعرفها بعض المناطق بالمملكة، لاسيما مدن الشمال.
تعبئة لا تحكمها الظرفية، بل تؤطرها رؤية ملكية بعيدة المدى، تدرك أن التغير المناخي لم يعد احتمال عابر، بل تحدي بنيوي يستدعي يقظة دائمة وقرار مصيري حازم.
لقد كرّس جلالة الملك، عبر توجيهاته السامية، مفهوم الدولة الحامية التي لا تُلقي نداء الإغاثة في ملعب المواطن فقط ولا تتحرك تحت ضغط الكارثة، بل تستبق الخطر حيثما كان وتتصدى له بمنطق التخطيط والتنسيق والمسؤولية بغاية اقتلاع الإنسان من تحت أنياب الكارثة وليس بعدها.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري لوزارة الداخلية، التي أكد ناطقها الرسمي أن السلطات العمومية تتابع عن كثب وبشكل مستمر تطورات الوضعية المناخية والهيدرولوجية. متابعة دقيقة لا تُختزل في الأرقام والنشرات، بل تُترجم إلى حضور ميداني ويقظة مبكرة، ثم تقدير عِلمي وعَملي للمخاطر المحتملة، بما يسمح باتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب تفاديا لأسوأ السيناريوهات قبل أن تفرض نفسها بقسوتها.
وعليه، فإن الدور الحاسم لجلالة الملك محمد السادس يتجلى هنا بوضوح: قائد يستشعر الخطر قبل أن يطرق الأبواب، ويوجه مؤسسات الدولة لتكون في مستوى التحدي، واضعا الإنسان في قلب السياسات كقيمة عليا لا تقبل المساومة. فحماية المواطن ليست مجرد إجراء إداري بل هو التزام أخلاقي وسياسي راسخ يعكس عمق العقد الذي يربط العرش بالشعب.
وهكذا، وبين غيم مُثقل بالأمطار وأرض مهددة بالفيضانات، تتجسد حكمة القيادة حين تقترن بالفعل، وتعلو قيمة الاستباق على منطق الانتظار. إنها لحظة تؤكد أن المغرب، بقيادة ملكه، لا يواجه الطبيعة بالارتجال، بل بالحكمة ولا يتعامل مع الأزمات بردود الأفعال بل برؤية استشرافية تجعل من أمن الإنسان وكرامته خط أحمر لا يُمس.
أما التعبئة الاستباقية فهي مرادف لدولة تختار التحرك الميداني بدل التعاطف والمواساة. بل تبادر بالفعل قبل أن يُختبر الصبر الإنساني على الفقد. دولة تختار أن تكون حاضرة حيث يكون الخطر، وأن تجعل من الإنسان نقطة الانطلاق ونقطة الوصول في آن واحد. يرسخ هذا التوجه الملكي قناعة مفادها أن أقوى أشكال السيادة هي تلك التي تُمارس دفاعا عن الحياة، وأن أعمق معاني الحكم تتجلى حين يتحول القرار السياسي إلى فعل رحيم، واع ومسؤول.
وحتى لا ننسى جنود الميدان من بوحنا هذا حيث تقاطعت السيول مع الخوف، برزت التدخلات البطولية والمجهودات الجبارة التي بذلتها مختلف الأجهزة الأمنية في صمت ومسؤولية عالية دفاعا عن سلامة المواطنين أولا وأخيرا.
فقد اضطلعت عناصر الأمن الوطني بدور محوري في تأمين المناطق المتضررة وتنظيم حركة السير، ثم إجلاء المواطنين من النقاط الخطيرة، في ظروف مناخية قاسية تطلبت جاهزية ميدانية وانضباط مهني وإنساني عالي. وبما أن الأمن الغذائي ضرورة حتمية للبقاء على قيد الحياة، فإن مديرية حموشي قد وضعت مخبرة متنقلة رهن إشارة المتضررين من الفيضانات لتأمين إعداد الخبز وتوفيره للأسر المتضررة.
قد يبدو للوهلة الأولى إجراء بسيط في شكله، لكنه يحمل دلالة إنسانية عميقة، مفادها أن الدولة لا تكتفي بإنقاذ المواطن من الخطر، بل تحرص على صون كرامته وضمان الحد الأدنى من مقومات العيش اليومي. فالخبز، في السياق الاجتماعي والرمزي، ليس مجرد مادة غذائية، بل عنصر استقرار وإشارة إلى استمرار الحياة رغم قسوة الظرف، ولنا في زلزال الحوز خير مثال حينما كان الخبز المطلوب رقم واحد اجتماعيا نجح رجال حموشي في تأمينه بنفس الهمة والالتزام.
وبالموازاة مع ذلك، تابعنا جميعا تدخلات الدرك الملكي في المناطق الوعرة التي حاصرتها السيول، ولم يعد فيها من خيار أنجع غير أن تحلق بمروحياتها لتسجيل تدخلات صعبة غايتها انتشال المواطن من غرق وشيك.
كما قامت عناصر القوات المساعدة بأدوار إنسانية بالغة الأهمية، من خلال تعزيز عمليات الإغاثة ومساعدة قُياد وزارة الداخلية على تنزيل زيارات ميدانية إلى منازل المواطنين لحثهم على مغادرتها في أقرب الآجال في تجسيد فعلي لمعنى الخدمة العمومية حين تنحاز للحياة فهي تلامس جوهر الممارسة الوظيفية.
فبين إنقاذ الأرواح، وتأمين الفضاءات، وتوفير الخبز، وترسيخ الطمأنينة في نفوس المتضررين، تكرّس نموذج مغربي في تدبير الأزمات يقوم على التكامل المؤسساتي والانحياز الصريح للحياة. نموذج يؤكد أن السيادة ليست استعراضا للقوة، بل مسؤولية أخلاقية تُمارس في صمت. وأن الدولة التي تحسن الإصغاء لنبض الإنسان في زمن الخطر، هي وحدها القادرة على بناء الثقة وصون الاستقرار، وتحويل المحن إلى لحظات إثبات للتماسك الوطني ووحدة المصير.
وختامها مسك: “إن الله إذا كلف أعان، فلا تنظُر لثُقل التكليف، وانظر لقدرة المُعين”







