الصفحة الرئيسية

 

الناقد يوسف الفهري يقدم قراءة في رواية “الأبواب السبعة القمر المحجوب” ليوسف خليل السباعي

الأوتوبيوغرافيا في الرواية :

إن قراءة «الأبواب السبعة، القمر المحجوب» ليوسف خليل السباعي، قراءة تبحث عن متعة ولذة النص، قراءة تختزن في الذاكرة محكياتها وشخوصها وفضاءاتها، أما عندما يريد القارئ إشراك متلقي في قراءته ، فإن العملية شبيهة بالإبداع الروائي الذي يحوّل المتن الحكائي بنيات سردية، فتتحول التجربة المعيشية إلى تلفظ لغوي تصاغ تفاصيله في إطار جنس أدبي . فإعادة القراءة تصبح ملزمة، سواء كانت من منظور القارئ الكاشف عن أدبية النص، أو من باب المقاربة النصية التي تنطوي على منهج أو رؤية تقويمية.

إن مقاربة الرواية مقاربة في ضوء منهج معين ، قد تخدم المنهج أكثر مما تقدم الإبداع ، وربما تقيد القارئ بقيود جهاز مفاهيمي يؤطره ، ويجعل من القراءة عملية بحث علمي عن نتائج ومسلمات المنهج. إنه يواجه المنهج بصرامته، وتصبح القراءة مراقبة، فيصبح الإبداع عنصرا ثانويا أو كظل للمنهج / الغاية.

في مقاربتنا لرواية يوسف خليل السباعي نتوخى التقاط بعض الإشارات والمشاهد واللقطات والصور التي أصبحت إثر القراءة الأولى علامات تحيل على الإبداع ، التقاط القارئ المشارك في إعادة إنتاج دلالة النص وإعادة صياغته ، ومحاورة الشخوص أو الشخصية. قارئ يسكن فضاءات الرواية ، قارئ مغامر مكتشف، معاني الحياة، يبحث عن الخيط الناظم لهذا العمل ، وعن خصائصه السردية ، وفق تصور منهجي . بالرغم أنها مغامرة باعتبارها من العمليات النقدية الشائكة . لكون هذه المقاربة لا بد وأن تنطلق من الأصول والحقول المعرفية التي تأسست عليها الاتجاهات النقدية السردية . ولأن نظرية السرد من المفاهيم الإشكالية، سواء على مستوى النظرية أو المنجز النقدي العربي. ونظرا لتعدد وتباين الدراسات السردية إلى حدود التشتت ، تبعا لزوايا نظر متباينة.

وبالرغم من كون المجال لا يتسع لعرض ومعالجة الإشكال المرتبط بمصطلح السرد ، فإننا في ثنايا قراءتنا ومقاربتنا للرواية سنسقط في فخ التحديد والتصور والنظرية . لكون أية مقاربة لابد أن يكشف قارئها المتفحص منهجها من خلال الأدوات الإجرائية المشكلة للجهاز المفاهيمي الموظف في عملية القراءة النقدية . إذ المنهج يكشفه شكله كما يكشف الدال مدلوله.

إن الاشتغال على أو بـــ ( علم السرد ) Narratologie مواجهة لمصطلحات ( السرد ت القص ـ الحكي …) بقوتها التعبيرية المتداخلة . إننا لا نخفي حضور الشعرية Poeitics في الممارسة النقدية ، باعتبارها معرفة للقوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل ، وعملية بحث عن القوانين من داخل الأدب ذاته وعن الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي ، أي الأدبية . ( ينظر : الشعرية لتودوروف . ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة . دار توبقال الدار البيضاء المغرب . ص 23 ـ وأيضا : قضايا الشعرية : رومان جاكبسون . ترجمة محمد الولي ومبارك حنون . دار توبقال الدار البيضاء المغرب . ص 78 ـ 79 ).

كما أن البحث في أي عمل روائي عن الموقف وتفسيره يسقط النقد في الإيديولوجي ، وبهذا يكون النقد الروائي شبيه بمحاكمة يجريها الناقد من زاوية قضاء واقف أو جالسا ـ بلغة القضاء ـ في حين « إن روح الرواية هي روح التعقيد ، كل رواية تقول للقارئ : ’’ إن الأشياء أكثر تعقيدا مما تظن ’’ إنها الحقيقة الأبدية للرواية ، لكنها لا تسمع نفسها إلا بصعوبة في لغط الأجوبة البسيطة والسريعة التي تسبق السؤال وتستبعده » فن الرواية لكونديرا ص 27. وبهذا يطرح كوندرا التناقض بين العالم القائم على الحقيقة الوحيدة وعالم الرواية النسبي والغامض « فالحقيقة الشمولية تستبعد النسبية والشك والتساؤل ، ولا يسعها أبدا أن تتصالح إذن مع ما أسميه روح الرواية »ص23 وبهذا سنحاول البحث في هذا العمل عما سماه كونديرا بروح الرواية .وهل الأعمال الروائية المغربية والعربية بعيدة عما سماه كونديرا بموت الرواية ؟ فهو يرى أن آلاف الروايات لقيت نجاحا كبيرا ، لكنها عجزت عن ’’استعادة الكائن ’’ ووقفت عند حدود ’’ما يجب قوله’’ (كونديرا ص21) وهو ما يجعل موت الرواية ليس «فكرة وهمية فقد تم حدوثه ونحن نعلم اليوم كيف تموت الرواية: إنها لا تختفي وإنما تقع خارج تاريخها ..»كونديرا ص 24)
إذن في هذه القراءة نطرح أسئلة مرتبطة بتشكل الجنس الأدبي الرواية عند يوسف خليل السباعي ، كما نطرح أسئلة مرتبطة بالبناء السردي وخصائصه ، وبالتيمات التي بلورها السرد ، لكن دون محاكمة كل هذه القضايا والخصائص ، وإنما فقط قراءتها في سياق الرواية العربية والمغربية خصوصا .

قراءة في عتبات النص :
” الأبواب السبعة ” عمل أدبي روائي ـ كما يصرح بذلك المبدع في الغلاف ، متعاقدا مع القارئ ، ويأتي هذا العمل بعد رواية ’’ناتاليا ’’ عن منشورات شركة تمودة 2011 وأعمال سردية قصصية : “الظل” عن منشورات منار الكتاب بتطوان 2011 و”جنون الحاكم وقصص أخرى” عن منشورات شركة تمودة بتطوان 2012 ، وزهرة الخشخاش ، قصص عن منشورات تمودة بتطوان 2012 ؛ أي بعد تراكم التجربة السردية / الروائية و القصصية. تقع ’’الأبواب السبعة’’ في 129 صفحة من القطع المتوسط، بوبت بأبوابها السبعة أبواب مدينة تطوان المغربية . تم تجنيسها على واجهة الغلاف برواية .

إن العمل الأدبي السردي ـ كغيره من الأعمال الأخرى ـ يدشن بدايته بالغلاف ، فهذه الواجهة تعتبر نصا من بين النصوص التي يقدمها الروائي ، ومن خلاله تحاوره سيميولوجيا . فهي الوحدة السردية الأولى لبنية العمل الأدبي ، بها يتأسس المعمار. يتواصل المبدع مع القارئ المفترض ، عبر اللغة والتشكيل . سيما وأن قارئ هذا النص / واجهة الغلاف متعدد ، قد لا يقتحم ولا يتجاوز حدود الغلاف ، وقد يعبر الواجهة إلى المتن الحكائي ، فيتكبد عناء السفر عبر مسافات اللغة باحثا عن ذاته والآخر .
إذن واجهة الغلاف تعتبر العتبة الأولى التي يحط بها الرحال كل قارئ ، يتفحص هوية هذا الكائن الافتراضي يتحسسه يريد التعرف على جنسه ( الجنسي / البيولوجي ) ذكر / أنثى ، وعلى جنسه (الأدبي) رواية ، قصة ، وأحيانا انتماءه الثقافي …

إن واجهة الكتاب الموسوم بــ” الأبواب السبعة ، القمر المحجوب ” تحمل الكثير من العناصر والعديد من الأسئلة والأجوبة . الواجهة عتبة لدخول عالم الرواية / الحكي المتعاقد عليه بين المبدع والقارئ . فالقارئ يقف أمام بورتري / صورة لفتى فيه من أنوثة ارتسمت على شفتيه الحمراوتين ، داخل سواد ممتد في عمق الصورة …

أ ـ فضاء / إطار الكتابة :

أ ـ 1 : يوسف خليل السباعي :
تؤثث اللغة هذا الفضاء ، لتأخذ أبعادا دلالية وتركيبية وبلاغية . ويقيم تعاقدات بين المبدع والقارئ ، يكشف الانتماء البيولوجي والطبيعي للكتابة . فالعمل يتبناه يوسف خليل السباعي خارج إطار الصورة / البورتري في زرقة سماوية ، كما تطل صورة المبدع أيقونة لنسق ثقافي محدد بسطور سيرية .

أ ـ 2 : التجنيس ( رواية ) :
ننتقل إلى التعاقد الذي عقده المبدع مع قارئه حول تجنيس العمل في “رواية ” وتعده بمتعة السرد وغواية الحكي، مما لا يترك للقارئ حرية كبيرة لإعادة تجنيس النص/ العمل الأدبي . لكنه يشارك القارئ / الناقد عملية التجنيس، ليصبح المصطلح موضوع القراءة النقدية ومنطلقها للحكم على العمل وتقويه في ضوء التجنيس المقدم (الرواية).

أ ـ 3 ـ العنوان :
يتصدر العنوان أعلى الصفحة ( فضاء الكتابة ) ، ويعتبر عتبة أساسية تعمل على تبئير القراءة واستدراجها إلى غواية السرد المكثف . يستوقفنا العنوان على منوال مطالع المعلقات السبع، لكن ليس للبكاء على الأطلال ، وإنما للوقوف على الأبواب المؤدية إلى المتون والمحكيات الموحية المختزلة للإيحاءات الدلالية والرمزية للعلائق التركيبية بين الوحدات اللغوية المعجمية المشكلة لبنية العنوان ، باعتباره أول بنية سردية يلتقي بها القارئ ، وأول تجلي من تجليات الخطاب الذي يستقبله.

الرواية وسمت بـ ’’الأبواب السبعة، القمر المحجوب” عنوان يتحول إلى بنية سردية مكتملة بذاتها، عمل الكاتب على إتقان عملية حبك المحكي في ومضة مسرودة بعناية سردا مبسترا مقطرا يتشاكل فيه الدال بالمدلول ، الواقعي بالمتخيل ، وتتوازن الجملة الأولى الخبرية _ الأبواب السبعة ـ بالجملة الثانية ( القمر المحجوب) وتتوارى كل جملة وراء رموز دلالية . في الأولى إحالة إلى مداخل وعتبات تم عدها برقم مقدس في الثقافة العربية الإسلامية ، وفي المقابل ( القمر المحجوب ) ليشكل فضاء مقابلا للأرض .وهذا التقابل و التوازي يشكلان ـ من خلال واجهة الغلاف ـ لدى المتلقي عنصر تشويق واستفزاز ، كما تشكل اللحظة صدمة تشغل الوظيفة الميتالغوية ، كمحاولة لفهم المعجم والتركيب والدلالة والرمز والبلاغة ، في محاورة اللغة والمرسِل ومقصديته . بعد توقف عملية تشفير السنن .
كما أن البنية السردية المشكلة لعنوان الرواية كتب بلون بالأبيض وكأن زرقة السماء تركت تجليات الكلمات ، كعلامة مساعدة ومشوشة في عملية تشفير السنن ، بما يحمله هذا اللون من معنى لا يتحقق إلا في سياق الكتابة والقراءة.فقد يكون علامة للبدء والأصل في علاقته بالفضاء النصي للغلاف وبفضاء الأرض والسماء . كما يفترض دلالة اللون على الصفاء وضوء القمر رغم احتجابه . إنه اللون النابع من رؤية المبدع الذي يبحث عن الضوء عن الحقيقة مهتديا بقمر حُجِبَ فضاعت الحقيقة . وحُجب معه كل من يوشع وسارة وشامة وابنتها عائشة … وحُجبت الجريمة والمؤامرة…

الرواية :

1 ـ باب المقابر : تحكي رواية الأبواب السبعة ، القمر المحجوب . قصة يحيى من خلال الأبواب السبعة لمدينة تطوان، حيث يلتقي في باب المقابر بعودة بنيامين إلى القدس الصغيرة / تطوان بحثا عن مفتاح منزل سارة . من خلال هذا الباب ندخل سرد تفاصيل المكان : الفدان / القصر الملكي ، دار الطير، الطرانكات ،، العيون ، الطويلع والطوابل وبوجراح وبوسافو و …ساحة العدالة …كلها فضاءات لأحداث الماضي والحاضر ، وشخصيات تنتمي إلى المكان وقد غادرته إلى إسرائيل ( بنيامين ومرديخاي ويعقوب ) وشخصيات ماتت فظلت متشبتة بالأرض (يوشع) وشخصيات اختفت ( سارة …) وشكلت ساحة العدالة مسرحا لنزيف دماء يوشع مقتولا أو منتحرا ، لإفراغ الساحة من دلالتها .

2 ـ أما باب السفلي، فكانت الخادمة شامة ـ العنوان الفرعي لتشكل نافذة على أحداث وشخصيات فمن خلالها نطل على سارة التي عاشت في تطوان لمدة ثلاثين سنة ، فهي التي حمتها من تحرشات الفلونطي . ثم بعد موت يوشع غادرت تطوان / القدس الصغيرة .

3 ـ باب الصعيدة ( المفاجأة ) ومنه يدخل (يحيى المترجم) منزل حسن الصباغ الفنان التشكيلي فيجالس رفاقه : أيمن الزروالي ، سعاد البدراوي ، سليمان الورداني وفتحية العلمي . وفي هذه الجلسة تطل شامة الخادمة بحضورها المرح ونقدها اللاذع للواقع بعفوية .

4 ـ باب العقلة شكلت ممرا قصيرا في الرواية ، وهو معبر لاشتغال الذاكرة بين الدروب ، تنتاب (يحيى ) غفوة النوم وفيها يرى نفسه يدخل سكن رولان بات لاستعادة أيام الترجمة ، فغذاء الروح لم يكن سوى نتاج رولان بارت . وفي تفاصيل كتاباته تتداعى له سارة اليهودية .

5 ـ باب الرموز ( وجه سهيلة ) يمر إليه و إليها من رياض العشاق بحمولته الدلالية والرمزية ، فبيت فتحية الفنانة التشكيلية ، واحتفالا بعيد ميلادها يلتقي الثلاثة على مائدة الشراب في ليلة . وتحول باب العقلة إلى سرد مغامرات العشق مع سهيلة وهند العاهرة في كولدن بيش .

6 ـ باب النوادر ( المؤامرة ) يبحث بنيامين بعد موت يوشع ورحيل سارة عن مفتاح المنزل فيترصد شامة الخادمة ويدله الضابط عماد على عنوانها لينكل بها ولم تستطع الهروب منه فخنقها، ويختفي بنيامين، وتطمس الجريمة وتسجل على أنها موت طبيعي . ويظل المفتاح ( أو اللعنة كما وصفته ابنتها خديجة )الذي تصلبت يديها عليه بين نهد ابنتها الصغيرة أمانة . وتصور الرواية المؤامرة قتل شامة ، ثم القبض على الفلونطي تاجر المخدرات ثم هروبه عبر باب سبتة ، في خضم انتخابات 2011 وما أسفرت عنه من نتائج …

7 ـ باب التوت ( بنيامين في كاراكاس ) ، يدخل الراوي هذه الباب لتخرج منها الرواية وتسدل الستار على محكياتها وسردياتها . بمقتل عائشة الصغيرة وتقتل معها البراءة وتقيد القضية ضد مجهول. ليلعن الراوي في نفسه «بنيامين والضابط وإبراهيم الفلونطي وحاييم سيريرو» ص118 ويظل المفتاح لغزا كقضية يوشع. وتبقى المتانيات والرغبات تعتمل في يحيى / الراوي دون خروجها إلى الفعل « بنيامين وحش دموي ، قاتل مصاص دماء ..آه لو أعثر عليك يا بنيامين سوف أمزق أحشاءك وآكل كبدك على مرآى العالم ، ولا أبالي من الضابط عماد شريكك ، لم يعد يخصني أمره إنه حثالة ، وثعلب »ص118 وتتحقق الأمنيات على مستوى الحلم حيث البحث عن بنيامين في كاراكاس ثم ينتقل التحقق عبر الإعلام حيث «اقتحمت عصابة مسلحة معبد يهودي في العاصمة كارت بالعبث بمحتوياته واحتل نحو 15 رجلا المبنى مساء لمدة خمس ساعات … وكتبوا على الجدران شعارات تقول ’’نحن لا نريد قتلة ’’ وأيها اليهود أخرجوا من هنا»ص 125 .
بين السماء وجوف الأرض تم تشييد ’’الأبواب السبعة ’’ و’’القمر المحجوب’‘. جوف الأرض مسرح لأحداث الماضي ووعاء لصراع ابدي. فالموت ولادة لحياة محتجبة يعيشها الآخر ، في القبر تسكن جثث ترقد حاملة معها مفاتيح ماضيها وأسرارها ( يوشع انتحر أو قتل، وقتلت شامة وابنتها الصغرى عائشة ص 128) هكذا تجعل الرواية عتبتها الاستهلالية ( باب المقابر ) لتعلن أن هناك من يرقد في جوف الأرض مسرحا لحياة أخرى لا نعرفها لا نعرف الأسرار التي حملتها معها ، فالقبر في الرواية هو قبرُ القضية وتسجيل الجريمة ضد الضحية أو مجهول . فهو إدانة للفساد الذي يحمي الجريمة.

الفضاء المكاني :
تميزت الرواية العربية عموما بمساحة شاسعة على مستوى التوثيق ، أكثر من الأجناس الأدبية الأخرى ، لذا كان اهتمام الرواية العربية بجذورها التاريخية ، والبحث في التاريخ خاصة على مستوى ربط المكان بماضيه عبر التوثيق .و أول ما يلفت نظر القارئ في رواية ’’ الأبواب السبعة ’’ ، بناؤها الفني الذي يضعه أمام عتبات كمداخل سبعة معادلا تاريخيا لمدينة تطوان ، بما يحمله رقم سبعة في الذاكرة الجماعية والتراث العربي الإسلامي ( سبعة رجال ـ سبع سماوات ـ السبع المثاني ـ …) . كما أن الانطلاق من باب المقابر إلى باب التوت له من الدلالة الرمزية للبناء السردي في الرواية .
وإذا كانت هذه الرواية على مستوى عتبات النص الروائي رواية فضاء مكاني بامتياز ، لا يشكل فيها الزمن والأحداث سوى محمولات تكاد تكون ثابتة غير متطورة ، باعتبار ثبات الرؤية في البداية والنهاية. فالرواية على مستوى هذه المحمولات تبدأ بعودة بنيامين إلى تطوان / ’’قدسه الصغيرة (ص13) يجر معه تاريخا غير بعيد ( 10 سنوات ) بعد قتل انتحار وأو قتل أخيه يوشع ، لتنتهي الرواية بخاتمة « انتحر يوشع أو قتل ، ولم يظهر أثر لسارة ، وقتلت شامة وابنتها الصغرى عائشة ، وهرب إبراهيم الفلونطي …» ص 129. ليعود إلى كاراكاس .

من خلال هذه القراءة الخطية ، نلاحظ أن يوسف خليل السباعي تناول الأبواب السبعة في متخيلها السردي حكاية تطوان وحكاية بنيامين وحكاية الراوي / يحيى .

وتمظهرت العلاقة بالمكان متواشجة بالشخصيات ، فتصبح الأرض القضية في علاقتها بالإنسان لتخلق مفهوم الوطن المحتضن للإنسان في تعدديته ، ويتمظهر محوران ينبنيان على منظومة قيمية للعلاقة بالمكان : تطوان / القدس الصغيرة :

محور الحب والعشق للمكان : يحيى ـ حسن الصباغ . يوشع ـ سارة ـ شامة ـ عائشة ـ خديجة ـ أحمد الشعباوي .
محور الاستغلال والثراء بالمكان : بنيامين ـ الفلونطي ـ الرحموني ـ الضابط عماد وحاييم سيريرو .

فالرواية تحاول الإمساك بالشفرات النصية لتوظيفها في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي لمدينة تطوان مركز الكون بالنسبة للذات ، عبر بنية فنية اختارت عتبات المكان مَداخلا للقراءة . قراءة من عبق التاريخ عبر الأبواب السبعة ، التي ما زالت شامخة كأيقونة تاريخية وحضارية ، وشمت هذا الفضاء النوسطالجي/ الحنيني . فالأسوار وإن تغيرت وظيفتها الحِمائية إلى وظيفة معمارية جمالية تاريخية تراثية حضارية ، الماضي «الجميل» . يشتغل المخيال السردي كقناع فني وجمالي يغلف الانعكاس الآلي للواقع من خلال عالم روائي فيه من بلاغة الخطاب وتورية المعنى .

يصبح القارئ أمام هذه العتبات جزءً من بنية النص، متفاعلا معه وفق مبدأ الانتماء، فالرواية تنسج هذه العلائق بالمكان ، تطوان عبر مداخلها / أبوابها السبعة وفضاءاتها التاريخية باعتبارها حاضنة لإرث حضاري يواجه واقعا اجتماعيا وسياسيا راهنا، من بين أصواته حركة 20 فبراير. فانتماء القارئ إلى المكان يجعله يقرأ الرواية من داخلها ، في حين أن القارئ غير المنتمي إلى هذا المكان يظل خارج أسوار المدينة / الأبواب السبعة التي وإن انفتحت له فلا تعدو أن تكون شبيهة بجميع الفضاءات الروائية. وربما يحس بتيه وضياع ، يبعده عن المكان كمدخل للقراءة لتتبع تسلسل الأحداث وبهذا تصبح الرواية مراهنة على قارئ خارج الأبواب . ففي الوقت الذي يكون فيه القارئ الأول ينظر من ذاته إلى فضاءات العالم الروائي ، تجعل الرواية القارئ من الفضاءات كمتخيل مكاني .

فرواية ’’ الأبواب السبعة ’’ وظفت المكان للتعبير عن الرؤية من خلال تيمات مركزية أهمها :
تيمة الصراع العربي الإسرائيلي والتعايش مع اليهود ( الأنا والآخر ).

تيمة الصراع السياسي بالمغرب ( الماضي / الحاضر )
تيمة الصراع السوسيوثقافي والحضاري أو صراع المثقف داخل البنيات الاجتماعية .

إن هذا التفاعل القائم على التضاد في سلم القيم يعكس رؤية الروائي للقضية ، فتفسح الرواية مجالا للرؤية النقدية التي يحملها الراوي / يحيى [ المؤلف الضمني ] في قراءته لتاريخ المدينة وما احتضنتها من أحداث وشخصيات طوقت بالصراع من أجل الغنى . فكانت الجريمة والمؤامرة والفساد برعاية وتواطؤ مع السلطة. والرواية إدانة ( لعنة ) للسلطة المجسدة في الضابط عماد : « عماد له مصلحة في إغماض عينيه عما يقع من جرائم فالضحية الأول كان يوشع ، طوي ملفه والثاني شامة ، والثالث … وقلت لنفسي إنها مؤامرة»ص97.

من خلال هذا يتبين لنا أن يوسف خليل السباعي ، سار على نفس منوال جل الروائيين العرب والمغاربة ، في اختيار مرجع حي ، فيحيل « المقروء لدى القراء على مرجعي ، هو في حال الرواية العربية ، المعيش الذي شكّل الحافز الأساس لكتابة الرواية .» (ص8 ـ الرواية العربية : المتخيل وبنيته الفنية : د يمنى العيد بيروت دار الفرابي ط1 2011).

فنبض السرد نسج عالما روائيا طافحا بالصور والأحداث ، يحضر التاريخ والاجتماع للتعبير عن زمن التردي . الماضي والحاضر يقرأ بعضُهما بعضا . لتشكيل لوحة متشاكلة و(بارادوكسية ) لفضاء تطوان كتمثل في الوعي الفردي والجمعي ، لتفسح الحكاية المجال للفضاء المكاني باعتباره ليس فقط جزء من الحكاية بل إنه حكاية في حد ذاته، ففضاء تطوان بأبوابه السبعة ينسج جمالية الخطاب الروائي المتلون بألوان الحنين إلى الماضي المضمر : «كنت أعرف حب يوشع لتطوان حب قوي . (ص26) » فيحضر المكان حضورا أنطولوجيا عند الراوي ويوشع وسارة … يحكي بمعماره تاريخا مجيدا في مقابل حاضر شوه معالم الحضارة. وهو في هذا يراهن على فعل القراءة كقيمة جمالية مضافة إلى العمل الروائي، ليس كمكان متخيل بل باعتباره حاضرا في الكينونة على شكل تمثلات . «وصل بنيامين إلى قدسه الصغيرة. (ص 13) ـ القدس الصغيرة (ص31 ـ 102 ) ـ كان واقفا إزاء القصر الملكي ـ الفدان سابقا (ص13)»

«الساحة التاريخية الفدان التي لم يتبق منها سوى الصور، الأشباح ، والذكريات ، والتي خلدها بيرتوتشي بعوالمها وحيواتها في إحدى لوحاته ’’الخالدة’’ » ـ « وكنت دائما أسأل عن مدلول الرموز ، وكانت أمي تقول لي : الرموز هو اسم عائلة (Ramos ) واحد من المهاجرين الأندلسيين»ص 75.

«وكانت أمي تقول لي عندما أسألها عن باب النوادر المرسومة في ذاكرتها ، وليس كما هو عليها الآن ، كانت هذه الباب يا يحيى تعرف بباب فاس تنطقها بإسبانية جميلة Puerta de Fez لوقوعها في الطريق القديم المؤدي للمدينة …» ص 96 .

« قالت لي أمي …(كان لباب التوت أهمية تكمن في انعقاد سوق أسبوعي بجانبها ، وكانت بابا كبيرة مزخرفة ومزينة بالسقاية القريبة منها على يمين الداخل إلى المدينة ). واليوم أصبح صعبا المرور من هذه الباب أو قريبا منها لفرط الزحام .. والباعة الجائلين الذين لا يزورونها أسبوعيا ، بل كل يوم يفترشون بأرضها بضائعهم المختلفة ، والمضحك أن المدينة أصبحت نفسها سوقا كبيرا» ص 116.

ومن هنا نرى كيف حضر المكان في هذه الرواية ليشكل مرجعا حيا وفضاء له رمزيته التاريخية ، وكأن الروائي يريد التأكيد على ارتباط الرواية بالمدينة، فهي رواية المدينة بالتصنيف المكاني، كما أن المدينة في تفاعلها مع الإبداعي الروائي تصبح خارج الوجود المادي منتمية إلى عالم ذهني وجداني . فكيف يتحول الذاتي الحميمي إلى رواية، ولا يظل أسير الأتوبيوغرافيا أو المذكرات ؟

ومن هذا المنطلق نطرح تساؤلات حول الرواية في علاقتها بالمرجع الحي ، والذي تمظهر على مستوى الفضاء ، كما قد تشكل الشخصية بدورها هذا المرجع الحي .خاصة على مستوى الراوي . ومن هنا ننتقل للحديث عن الأوتوبيوغرافية في الرواية .

الأتوبيوغرافية في رواية ’’ الأبواب السبعة ’’ ليوسف خليل السباعي.

الأتوبيوغرافيا باعتبارها لعبة تخييل تتعالق والحكاية بعناصرها السردية في الرواية ترسخ ارتباط الحكاية والسرد بالأنا / الذات في تمظهراتها المتعددة . خاصة عبر الراوي [ المؤلف الضمني ] أو أي شخصية من شخصيات الرواية . وقد نجحت الأتوبيوغرافيا في التواري والاختفاء وراء حجاب المتخيل ، وقناع شخصيات من ورق ، وبكل أشكال السرد ، لتشتغل داخل الرواية وتكتب عن حياة فرد في غياب ميثاق الأوتوبيوغرافيا .

ويرى فيليب لوجون مُنظّر الأتوبيوغرافيا أنها «محكي استرجاعي بواسطة النثر، يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة» (الميثاق الأوتبيوغرافي 1975 ) .

« كل نص يبدو أن مؤلِفَه يُعبّر فيه عن حياته وإحساساته .. بشكل صريح أو ضمني ، سواء أكان النص رواية أو قصيدة أو مقالة فلسفية» ( ص 10 ـ السيرة الذاتية ـ الميثاق والتاريخ الأدبي ـ لفليب لوجون ، ترجمة وتقديم ، عمر حلي، المركز الثقافي العربي ط الأولى 1994 بيروت ـ الدار البيضاء 1994 ).

إن رواية “الأبواب السبعة” وهي تحكي محكياتها، في الفضاءات الواقعية المادية، وفي ارتباطها بزمن تاريخي مادي، تجعل من سؤال الأتوبيوغرافيا سؤالا مشروعا. وإن كانت الرواية تحجب الأوتوبيوغرافيا عندما يهيمن المتخيل السردي ، فيتوارى المؤلف الضمني ليصبح أفكارا تختفي الذات في المتخيل وتتلاشى في الفضاء السردي والشخصيات الورقية. وهي بذلك لا تمارس أوتوبيوغرافيا حرفية وأمينة بل أوتوبيوغرافيا تعتمد المتخيل كآلية لنقل التمثلات وانتقاء الصور . إننا ننطلق من فرضية أن الرواية هي أوتوبيوغرافيا المتخيل القائم على الاختفاء والإضمار والحذف ، عبر طرح السؤال واللجوء إلى المجاز والألوان والشعر والتاريخ والحوارية والفراغ والحلم والرؤيا والافتراض. لإعادة بناء حياة ربما لم تعشها الذات بكل تفاصيلها ، ولكن تعيشها كما ينبغي أن تكون في ترتيب زمني لا خطي وفضاء ملتوي وحوارات متداخلة ورؤى متعددة ورحلة بدأت وانتهت بسؤال القلق تجاه المعيش السياسي والاجتماعي والثقافي.

إن خطاب المؤلف الضمني ( يحيى ) الأوتوبيوغرافي في هذه الرواية ينفتح على ذوات أخرى من المحيط الاجتماعي . فالأنا تعيش الصراع الاجتماعي في جدلية الواقع التاريخي . ومن خلالها استطاعت الرواية توظيف تقنيات السرد لتشكيل عالم ينطق بخصوصية المحلية (تطوان) في بعدها الكوني الإنساني (القدس ـ تل أبيب ـ إسرائيل ـ كاركاس ـ..) .

الراوي ( المؤلف االضمني ) :[ يحيى الشريف ] وعلاقته بالشخصيات :

إن الراوي يطرح في الرواية العربية بالخصوص إشكال العلاقة بينه وبين المؤلف الضمني ، ومن هنا يمكن أن تطرح إشكالية الجنس الأدبي للعمل ، على أساس أنه رواية تستقل بذاتها لا ترتبط بأجناس أخرى . لكن حرية الشخصيات في الحركة داخل النسق السردي هو ما يجعل سؤال حضور المؤلف داخل الرواية ، أو جنوح الرواية إلى الأتوبيوغرافيا . مع استحضار مفهوم الرواية عند بعض منظريها على أنها ليست « اعترافا من اعترافات المؤلف ، بل هي سبر ماهي الحياة الإنسانية في الفخ الذي استحاله العالم» ( فن الرواية لكونديرا ص 34. ) وتكمن أهمية الرواية في الكشف عن التيمات الوجودية وعن أسرار الحياة.

إن الأتوبيوغرافي في الرواية ليس بالضرورة التطابق بين المحكي والمعيش ، بل هو تمثل له وللواقع . فالرواية تخرق ميثاق الأتوبوغرافيا على الأقل على المستوى الظاهري، حتى تبقى فرضية الأنا التخييلية حاضرة عند القارئ ككائن تخييلي يواري كائنا واقعيا ؛ أي الأنا الأتوبيوغرفي التي تدخل عالم الرواية لتقمص شخصية من ورق وتنسج علاقاتها مع الآخر الذي هو بدوره يلتبس في الواقعي بالمتخيل. فرواية ’’الأبواب السبعة’’ تحجب الأتوبيوغرافيا وراء التخييلي، محاولة محو أثر الذات، بخلاف المذكرات التي تبقي على هذا الأثر في مذكراتها. فالرواية الأتوبوغرافيا عوض أن تحتفظ بالذات الواقعية فهي تخفيها عبر خلق شخصية مشابهة وليست مطابقة للذات المبدعة . وهو ما فعله يوسف خليل السباعي حيث اختفى وراء شخصية من ورق اسمه يحيى ليحيا داخل فضاء الرواية ينوب كل منهما عن الآخر يتبادلان الأدوار يتوارى الراوي خلسة ليترك للمؤلف الضمني الحضور دون أن تتحول الكتابة إلى مرآة تكشف وجهه.

كما أن الرواية الأتوبوغرافيا ليست بالضرورة تمظهرا لشخصية عاكسة للذات المبدعة / المؤلف، بل هي أيضا تمظهرا لنسق ثقافي يعكس في كليته المتكلم الخفي الكاتب. النسق بقيمه الجمالية والأخلاقية ، كإحالة مرجعية على المؤلف الضمني ، إلى حد انتفاء الحدود الفاصلة بين الروائي والأتوبيوغرافي. ففي رواية الأبواب السبعة اختار الروائي الوجود داخل الرواية ، ولم يبق في وضعية الشاهد . وبذلك اغتال بعض الشخصيات وهيمن القدر المسبق على مصيرها بتعبير سارتر . فهو يؤمن ـ كالعديد من الروائيين ـ لنفسه خطا يرسم فلسفته في بناء العالم الروائي الخالق للشخصيات المحدد لمصيرها بناء على رؤيته انطلاقا من الذات العربية / المغربية المكلومة ، انطلاقا من المحلية (تطوان) لرؤية العالم كبؤرة لتمظهرات الصراعات الفكرية.

فالشخصيات في هذه الرواية ، محكومة مسبقا بمصير حددته الرواية / الروائي منذ البداية ، إلا أنها محكومة أيضا برسالتها الإنسانية. وظلت الشخصيات ثابتة على نفس المسار . فهي لم تستطع العيش هذا المسار المرسوم مسبقا . ولم تستطع أن تسير على مستوى المنجز السردي مورياكية «أن تبقى في حال القلق مثلما نجده عند دستوفسكي ، وعليها أن تمتلك قوة المقاومة والدفاع عن نفسها بصلابة وهي في النهاية قادرة على إجبار الكاتب على تغيير اتجاه الكاتب نحو آفاق لم يكن الكاتب نفسه يتوقعها ، وبهذه الطريقة فقط يتم التوافق بين ’’حرية المخلوق وحرية الخالق’’» ( الروائي وشخوصه لمورياك ص 14 ).

وإن كان جان بول سارتر انتقد مفهوم الحرية عند مورياك المقيدة بسير الشخصية نحو الخير ، وهو توجيه من مورياك للشخصية . وهو يرى أن الروائي لا ينبغي أن يقدم أحكاما حتى لا يتماهى مع ( الإله / الخالق ) بينما الخالق والرواية يتعارضان بطريقة متبادلة ، فإن باختين يعتبر «العلاقة الفوقية ضرورية بالنسبة للمؤلف إزاء الشخصية حتى تمنح الشخصية قوة تتجاوز قوة المؤلف ، وبذلك يهتز عكسيا موقع المؤلف حتى يصير شبيها بموقع الشخصية عندما يكون أمام مواقف خاصة أو حقائق مطلقة ، وخطأ هؤلاء الكتاب أنهم يضعون المؤلف والشخصية معا في المستوى نفسه ، وهذا الموقف له عواقب وخيمة لأنه لا توجد حقيقة مطلقة ( عند المؤلف) أو حقيقة خاصة بالشخصية ، هناك فقط مواقف نسبية وليس هناك ضرورة للمطْلَقات.» ( نقد النقد لتودوروف ترجمة أنور المرتجي 1984 ص 83 ).

نقول إن رواية ’’الأبواب السبعة’’ اختارت تحديد مصير شخصياتها، لارتباطها بالمرجع الحي ، مما يجعل منها في هذه القراءة ـ رواية أوتوبـيــوغرافيا.

الراوي / يحيى الشريف : يظهر لنا في الرواية شخصية محورية نرى من خلالها الشخصيات الأخرى والأمكنة والأحداث وتفسيرها . تقول الرواية على لسانها:
«كنت واقفا …أراقب دون أن يراني أحد ما يدور في الساحة التاريخية ـ الفدان ـ التي لم يبق منها سوى الصور الأشباح والذكريات …كنت أراقب كل حركات وسكنات اليهود ..» ص 14.

« كنت أعرف أن بنيامين لن يعرفني ، وكان لا بد أن يبذل جهدا كي يتعرف علي ، فأنا قد تغيرت كثيرا ولم يعد شعري الفاحم ناعما كما كان في السابق ، وعيناي توسعتا كثيرا ، وأنفي كبر شيئا ما ، وقد ازداد وزني بعض الشيء ولم أعد نحيلا .» ص 15.

«أنا يحيى الشريف … ابن فضيلة ورشيد مترجم » ص 17 ـ 18 .

« وقلت لنفسي هذا زمن قبيح يقتل فيه الأخ أخاه ..» ص 20.

أما كيف يقدم الراوي / يحيى الشخصيات الأخرى، فهو يعرفها بشكل مباشر أو عن طريق شخصيات أخرى. فيقدم بنيامين: «وصل بنيامين إلى تطوان القدس الصغيرة» ص 13.

« كنت أنا الوحيد [ الراوي ] في ذلك الصباح الكاسف الذي يعرف يوشع حق المعرفة …» ص 24

ويقدم سارة من خلال ذاته : « كانت حسناء شعرها أسود ناعم ومنظوم مدور به غمازتان ترتدي تنورة بيضاء ملونة بالزهور ، وقميصا أزرقا لا معا . هكذا بقيت صورتها في خيالي عندما كانت تبتسم.»ص 21.

عم يوشع مرديخاي «كان يمتلك متجرا لبيع الخمور وهو أمنر لم يصدقه أحد . فاليهود كانوا يدسون أنوفهم في كل شيء »ص 22 .

فالراوي يحيي يعيش تفاصيل الأحداث في راهنها الاجتماعي والسياسي ، راو له رؤية العارف بما تعرفه الشخصيات وقد يتجاوزها ثم يتوارى أحيانا ليفسح المجال لبعض الشخصيات كي تكشف عن رؤيتها.

من هذا المنطلق يمكن رؤية الرواية الأتوبيوغرافيا تحكي عن الذات المبدعة المتوارية وراء الشخصية . وهو ما أشار إليه كونديرا بدقة في حديثه عن الأنا والآخر ، حيث «تعكف جميع الروايات في كل زمان على لغز الأنا إذ ما إن تبتكر كائنا خياليا ، شخصية قصصية ، حتى تواجه آليا السؤال التالي : ما هي الأنا ظ وبم يمكن إدراك الأنا ؟ إنه واحد من هذه الأسئلة التي تقوم عليها الرواية بوصفها كذلك » ص 31 . وهو يرى أن « إدراك الأنا ـ في رواياته ـ إدراك جوهر إشكاليتها الوجودية ، أي إدراك رمزها الوجودي . » ص 37.

اللغة :
هاجس الرواية تحويل الصامت إلى صائت ، فتصبح الرواية سابقة للخطاب السياسي والفلسفي . وفي رواية ’’الأبواب السبعة ’’ شكلت اللغة جزءا من التعبير عن الرؤية، فهي تعبير عن مسكوت عنه (الصامت ) عند القراء ، فالقارئ يجد الرواية تنطق بما لم يستطع أو يجرؤ به .وذلك من خلال الحوارية ومن خلال حمولتها الدلالية والرمزية . فاللغة حمالة أوجه في الخطاب الإبداعي تنفتح على قراءات متعددة . فكل يبحث عن ليلاه أو يبكيها في النص الإبداعي . … فالشرح يدعي أمانة النقل والتفسير يدعي أمانة الفهم والتأويل يدعي كشف المسكوت والمخبوء في النص وفينا . فما هو أفق انتظار القارئ عبر قراءة تتناوب على المستويات الثلاث لقراءة اللغة .

اللغة في هذه الرواية تحاول تحقيق الحوارية ، فهي مرتبطة بالمعيش ، بالتراث ، بالمجتمع . نسمع نبضات كل مكون أو بعد . فهي مشحونة بمعاني الحياة الاجتماعية والسياسية والكبت والقمع ، اللغة باعتبارها سلطة وأداة لمواجهتها ، والبوح بالمسكوت عنه ( الصمت ) . كما أنها سلطة من خلال بلاغتها وجماليتها .

لكن الحوارية بين الشخصيات التي ينبني عليها العالم الروائي المتخيل في رواية ’’الأبواب السبعة ’’ فهو تنوع لم يتوارى فيه الراوي / المؤلف الضمني . وهي نفس الملاحظة التي سجلتها د يمنى العيد على الرواية العربية ، بحيث « إن كان من تنوع أو اختلاف يخص أصوات الشخصيات فهو في المنطوق المحكي ولهجته ، أي في التلفظ التعبيري ، وليس اختلافا في الوعي اللغوي المعرفي » ص 18 الرواية العربية المتخيل وبنيته الفنية ) .

الزمن :
الزمن السردي وإن بدا غير خطي تتداخل فيه الأزمنة ، لكنه في عمقه خطي يبدأ بزيارة بنيامين تطوان قدسه الصغيرة لينتهي إلى عودته إلى كاراكاس . زمن انتحار أو موت يوشع يتبع باختفاء سارة وقتل شامة وابنتها الصغرى عائشة والفلونطي واختفاء عبد السلام الرحموني ..
إنه زمن 1980 يمتد إلى 2011 تتخلله أزمنة الذاكرة / والتاريخ لتكسير خطية الزمن السردي . يأتي المهمش لتشكيل العالم الروائي المتخيل بإيقاعه الزمني الذي ينسجه الصراع حول الثراء والغنى خارج لعبة القيم وخارج القانون.

إن الرواية على المستوى الزمن السردي تحكي زمنا غير منفصل عن زمن تطوان / القدس الصغيرة . زمن غير منفصل عن شخصية يحيى الراوي ، ونيامين النقيض لتصبح الرواية سياقا لهذه الشخصية بعمرها وامتدادها في أفق زمني يتعالق عضويا مع الفضاءات والأحداث والشخصيات ، التعالق الذي يجعل من الشخصيات الخرى نافلة لشخصيتين محوريتين : يحيى وبنيامين ، ولا يتحقق كل منهما على المستوى الوجود الزمني إلا في تعالقه بالآخر الذي يسكنه ويحرك آليات الحكي والسرد عنده ، فيبدأ الزمن السردي بهما لينتهي إلى أفق مفتوح على المستقبل، وكأن الرواية لم ترد وضع نهاية مغلقة لها ، لتترك أفق انتظار القارئ غير مكتمل ، يتطلع نحو المستقبل، إلى ما ستؤول إليه الأحداث في زمن غير متحقق ونهاية تعلن بدايتها في زمن سيأتي ، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي.

Loading...