الصفحة الرئيسية

السيدة آل: لوحة لأميديو موديغلياني

يوسف خليل السباعي

– الشكل

من هي السيدة آل؟!… لا أعرف عنها شيئا. لايعني هذا أنني مطالب بأن أبحث في بيوغرافية موديغلياني. وما الدافع لرسم السيدة آل؟!…

أليس للفنان والرسام دافع ما ملموس أو حسي، أومادي وراء رسم هذه السيدة؟!…

لايعني ذلك شيئا لي قطعا. مايهمني هو شكل اللوحة.
إن جسم السيدة آل يبدو، من النظرة الأولى، رقيقا، لينا، من الوجه إلى حركة اليدين، فضلا عن العنق الطويل الذي تفرد في رسمه هذا الفنان. إنه جسم ودود، لايجعلك تهرب من النظر إليه، بل يجعلك تتأمله، وتحبه. لا عري هنا، يرمز لإيروتيكيةما، ولاشيء من هذا القبيل، وإنما جسم يلمح إلى الرقة، والعذوبة، والعشقية. إنه جسم- شغف.

إن استتيقية الشكل عند موديغلياني تمر عن طريق الشغف، والنزوع إليه، حيث نرى شكل الوجه مرسوم من خلال أسلوب رسمي فريد لموديغلياني، وجه بعيون فارغة، بيضاء، وأنف طويل كما هو حال العنق الطويل، وفم دقيق كتوم ومشهي، وشعر بني اللون مفتوح ومصفوف بشكل لامع، حيث تتشاكل الضفيرة الرسمية، فلاوجود لكشف عن الصدر هنا، ولا دال إيروتيكي، وإنما جمال محكم، رغبة مكتومة: جسم- شغف، كما سطرت آنفا.

إن نظرة بسيطة إلى حركة اليدين والدراعين بمفردهما تجعل من هذه اللوحة علامة على هذا الشغف الأنثوي الباهر، حركة الملامسة اليدوية الرقيقة والرفيقة إلى الأعلى، وحركة الملامسة اليدوية الشهوانية إلى الأسفل، صعود وهبوط، ترقي وانزلاق، سمو وزوغان. كل مانراه في هذا الجسم- الشغف مرسوم بدقة متناهية على صعيد الشكل. إنه تلميح إلى الهندسية الرسمية لأميديو موديغلياني، التي يكررها في لوحاته كبصمة ستلازمه في عمله الفني، مع بعض التنويعات والتشكلات، والتمثلات، طوال حياته.

– اللون

الملاحظ أن ألوان لوحات موديغلياني هي ألوان ساخنة، وباردة، لكنها، تتبدى ممزوجة، ومتفرقة، كما لو أنها ثابتة ومتحولة في آن واحد.

إن ألوانه في لوحة السيدة آل خليط مركب: في جسم السيدة آل نرى مباشرة اللونين الأسود والأحمر. هل يتعلق الأمر برومانتيكية ما، كإحالة إلى رواية “الأحمر والأسود” لستاندال، لاشيء يذهب إلى التفكير في ذلك، ولا وجه للإسقاط أو للحكم على ذلك في هذا المقام. إن الألوان هي ألوان ملبس، والملبس يستر الجسم، والسيدة آل كما تخيلها رسميا موديغلياني هي كذلك، وقد لاتكون كذلك، فموديغلياني يعرف حقيقتها، ولكن مشاهد اللوحة يثيره ملبس السيدة آل الملون بالأسود والأحمر، حيث يهيمن الأسود على الأحمر، لون ساحر، ومظلم، يخفي أسرارا، لون الالتباس والبرودة والخسارة والتضحية، وآخر أحمر، متهيج، وناري، لون حار ولاسع، لون المتعة والفتنة والحب والموت.

ومع كل هذا، ثمة لعب من طرف موديغلياني، في خلف قماش اللوحة- الإطار، بخليط من الألوان، أو لنحدد “اللوينات”، التي تمنح اللوحة أفق انتظار، يجعل المشاهد منبهرا ومندهشا. ألوان تمزج، بواسطة عمل ما، بين الوردي الغامق، والرمادي، و الأخضر، والتي تعكس سرية هالات هذا الجسم- الشغف الذي هو السيدة آل داخل إطار هذه اللوحة الآسرة.

Loading...