تشظيات وقراءات

بقلم: يوسف خليل السباعي

في أولسيس!

في أولسيس يسقط الحمام على كتفي ويركل ماتكرره الأفواه: ” عنده الحمام…”.
الحمام هنا حر، يمشي بكبرياء.
هاهي العين تلامس الفضاء: حركات المارة عادية، كل واحد في سوقه، لغط، لكن لا نميمة!
سلام عليك أيتها النفس الشقية التي بقيت هناك، وأنت أيها اللا نظام، والضجيج، والفوضي!
الريح تراقبني وأراقبها، لكنها ليست عنيفة!
لاحمار هنا، ولا عشوائية!
هنا يظهر التأمل كروح تائهة!
لكن كل خطوة مدروسة كما قال لي مصطفي بودغية!

باولو كويلو

خلا ل قراءتي لرواية ” ألف” كتبت هذا:

لم اقرأ كثيرا روايات باولو كويلو مؤلف الرائعة العالمية ” الخيميائي”. ولم أكتشف عوالمه الروائية إلأ في الشهور الأخيرة. حقيقة أنني لم أقرا حتى الآن روايته” الخيميائي”. لا أدري لماذا كلما حاولت الشروع في قراءة هذه الرواية الذائعة الصيت، إلا ونحيتها جانبا. إنه أمر شخصي. بديهي أن جل روايات باولو كويلو ترجمت إلى العربية، وهي في متناول من يحب الدخول لعالم هذا الكاتب المولود سنة 1947 في رديو دي جانيرو، والذي قبل ان يصبح كاتبا شعبيا معروفا، كان كاتبا مسرحيا ومدير مسرح وإنسانا هيبيا ومؤلف أغان شعبية لأشهر نجوم البرازيل. قرأت لباولو كويلو ” الشيطان والآنسة بريم”، و” بريدا”، و شرعت هذا الشهر في قراءة روايته الجديدة ” ألف” التي ترجمها إلى العربية رنا الصيفي. يعود باولو كويلو، المؤلف الأكثر مبيعا عالميا، في روايته ” ألف” ” الأكثر دخولا إلى عمق النفس البشرية حتى الآن برحلة رائعة لمزيد من اكتشاف الذات، في الوقت الذي يسعى فيه إلى طريق للتجدد والنمو الروحي يقرر ان يبدأ مجددا، ليسافر، ليختبر، وليعاود التواصل مع الناس والطبيعة”… في هذه الرواية “سعي إلى الحكمة، وإدراك الواقعين المرئي واللامرئي، الصراع الداخلي الطويل، الواقع السحري المؤقت، الشك بجانبيه السلبي والإيجابي، السعادة من منظور آخر. يقع كويلو على التراث الأدبي والفكري والفلسفي لمختلف الشعوب”. وهي باختصار رواية ” تدعونا إلى التأمل في معنى رحلتنا الشخصية، هل نحن حيث نريد أن نكون، ونفعل ما نريد أن نفعل؟”. يقول بيلار أوبون عن رواية ” ألف”: ” عندما تصل إلى نهاية الرواية وتفكر بانعكاسها عليك، تدرك أن المكان العظيم الذي يحتوي على كافة الأرواح والعوالم هو ليس فقط في صفحات هذه الرواية أو في عنوانها، بل في كل مكان حولك. في تعبير أدبي، إن رواية باولو كويلو هي ” ألف” بحد ذاتها”. ربما أنني اكتشفت متأخرا العوالم الروائية والسردية السحرية لباولو كويلو، وهذا شيء ليس لي يد فيه، كما أكتشف الآن روايات أمبرتو إيكو، لا أتحدث هاهنا عن ” إسم الوردة”، وإنما “باودولينو” و ” جزيرة اليوم السابق”، التي أقرأها بمتعة، ولو أن المتعة الحقيقية هي في قراءة هذه الروايات في لغتها الأصلية، فهناك أشياء جميلة يكتشفها المرء متأخرا، أو كما حصل لي مع الكاتب الفرنسي رولان بارث الذي لم أشرع في ترجمة بعض كتبه، ونشرتها في جرائد، إلا في سنة 1990، بعد ان قرأت مقالا كتبه هذا الأخير عن ألبير كامي، وكنت آنذاك متيما بروايات هذا الكاتب المتفرد. صفوة القول إنه لولا ترجمة هذه الروايات إلى العربية، ماكان لي أن أستمتع بها، أو حتى أن أكتشف سحر عوالمها، فالرجل يتقن طرائق الحكاية، الأمر الذي يجعلك تسير معه في طريقه إلى النهاية كمثل أم تمسك بيد طفلها اليمنى حيث كان يلعب خارج البيت لتعيده إليه، ومن غير أن تعنفه، وباولو نفسه يعترف بهذا، من دون دغدغة للعواطف، قائلا إن الثقافة العربية كانت إلى جانبه خلال معظم أيام حياته، تبين له أمورا لم يستطع العالم الذي يعيش فيه أن يفقه معناها، حيث أحس بسعادة لترجمة كتبه إلى العربية. إنه حلم أصبح ممكنا بالنسبة إليه، ذلك انه ماكان من دون بعض أصدقائه العرب ( تحسين خياط وسوزان ناصيف) ليستطيع إشراك القراء العرب الذين يحمل لهم الإعجاب الشديد بمكنونات قلبه. هل وصلت إلى نهاية رواية ” ألف” كما كتب بيلار أوبون، ليس بعد.

رولان بارث يتحدث عن الرياضة: في الإنسان قوى وصراعات، أفراحاً وأحزاناً: الرياضة تعبّر عنها وتحرّرها وتشعلها من دون أن تدعها تدمّر شيئاً.

منذ سنوات، نشر عبده وازن في ” الحياة اللندنية” مقالا بعنوان ” كتاب لرولان بارث يمدح الرياضة “، ونقلته عنها بعض الجرائد الرقمية، ضمنها، “إيلاف”، يقول فيه:” كان رولان بارت شغوفاً بالرياضة على اختلاف أنواعها وان لم يتناول في كتابه الشهير سوى نوعين منها. وهذا الشغف سيتبدّى في العام 1960 عندما يوافق على كتابة نصوص فيلم وثائقي عن الرياضة. والفيلم الذي أخرجه وأشرف عليه السينمائي والروائي الكندي هوبير أكين حمل عنوان “الرياضة والناس” وعرض في 1960 ثمّ دخل أدراج الأرشيف في “المكتب الوطني للسينما” في مونتريال. وبعد مرور نحو أربع وأربعين سنة ارتأت جامعة مونتريال أن تطبع النصّ الذي كتبه بارت في كتاب مزيّن بصور من الفيلم”.
صدر الكتاب عن “منشورات جامعة مونتريال” وبدا في ذلك الوقت أقرب الى “الحدث الثقافي والأدبي كونه يُنشر للمرة الأولى ثمّ كونه يضم قراءة حديثة جداً وراهنة لظواهر رياضية ما برحت “تخدّر” شعوب الأرض قاطبة.
وكتب عبده وازن عن أسلوب رولان بارث: ” أسلوب بارت هو نفسه في سحره وطرافته اللذين جعلاه أسلوباً فريداً في المقاربة والتحليل والكتابة. وقراء بارت سيجدون في هذا النص “متعة” إضافية أو لذّة أخرى في القراءة “لذة النص” كما يعبّر عنوان أحد كتبه نظراً الى أن هذا النص لم يدرج في أعمال بارت الكاملة الصادرة في باريس ولم ينتبه إليه الذين أعدّوا هذه الأعمال”.
يحلل رولان بارت في هذا الكتاب ويتأمل خمسة أنواع رياضية، هي مصارعة الثيران في اسبانيا، سباق السيارات في ايطاليا، سباق الدراجات الهوائية (دورة فرنسا)، الهوكي في كندا، كرة القدم في هنغاريا.
وفي مستهل كلامه عن رياضة “كرة القدم” يكتب بارت: “تمطر في انكلترا، ومع ذلك انكلترا كلّها في الخارج. لماذا؟ هناك مباراة كرة قدم في ويمبلي”. ثم يسأل: لماذا يحب الناس الرياضة؟ ويقول: “يجب أن نتذكر أولاً أن كل ما يحصل للاعب يحصل أيضاً للمتفرّج. ولكن في المسرح ليس المتفرّج إلا “بصّاصاً”، وفي الرياضة هو ممثل”.
يتابع عبده وازن: ” انتهز رولان بارت مهمة كتابة نص الفيلم ليمعن في التأمّل في مفهوم الرياضة وفلسفتها وعلاقتها بالزمن والإنسان. والمقولات التي ضمّها هذا النص تنمّ عن نظرة بارت العميقة الى الرياضة التي يعتبر أنها وجدت لتصنع “العقد الإنساني”. وفي رأي بارت أن “العضل” لا يصنع الرياضة، العضل مهما كان أساسياً، ليس سوى مادة أولى وليس هو الذي يربح. ومن يربح بحسب بارت هو “فكرة ما عن الإنسان والعالم، عن الإنسان في العالم”. وهذه الفكرة تكمن في أن الإنسان يوصف بحركته، وحركة الإنسان لا تقوم على السيطرة على الآخرين وإنما على الأشياء. ويرى أن الهتافات المعبّرة للجمهور تصنع إيقاعا للوقت الذي تجري فيه الرياضة. أما اللاعبون الكبار في نظره فهم أبطال وليسوا نجوماً. وفي الرياضة يلمح بارت، لا يواجه الإنسانُ الإنسانَ مباشرة، هناك بينهما وسيط، رهان، آلة، كرة. ويقول إن في الإنسان قوى وصراعات، أفراحاً وأحزاناً: الرياضة تعبّر عنها وتحرّرها وتشعلها من دون أن تدعها تدمّر شيئاً. في الرياضة يعيش الإنسان المعركة القدرية للحياة، لكن هذه المعركة تصبح مبعدة عبر المشهد ومختصرة بأشكالها ومجردة من آثارها ومن مخاطرها وفضائحها. “الرياضة هي كل المسار الذي يفصل بين معركة وفتنة” يقول بارت.
ويختم كاتب المقال: “الرياضة والناس” كتاب بديع، يجد فيه قارئ بارت “لذة” إضافية وأفكاراً وتأملات طريفة وفريدة حول ظاهرة تشغل عالمنا الحديث وما بعد الحديث.

في زاوية من كورنيش مارتيل!

هذا المساء أجلس وحيدا في زاوية من كورنيش مارتيل.
تنبجس الموسيقى من مكان قريب. موسيقى غير مفهومة. ممزوجة بكلام خرافي. قد يكون كلاما شعبويا…كلمات تقطر من لسان مغن غير معروف بتاتا.
لا افهم هذه الكلمات~ التي تبدو نغماتها اعتباطية.
طفل يصرخ. يكاد يبكي، تخرج أمه من المنزل. تحتويه، تسأله بحدة ماذا جرى لك: يجاوبها…(القطة).
الأم البلهاء تطارد القطة.كانت ترتدي لباسا أنيقا لكن قبعتها غير ملائمة. إمرأة في ذلك العمر تريد ان تظهر شبابا قد اندثر. إنها تكذب على نفسها قبل أن تكذب على الآخرين.
بشر يمر مر الكرام. سيارة تحدث صخبا_ لا أكثرت بما يجري امامي من حركات أو تقولات، أكاد لا أسمع إلارجيف قلبي وأنا أنتظر بصمت حبيبتي التي ستأتي قريبا.
أحتسي ولماس برتقال. مشروب يرج الروح، وأرتشف من دخينتي “كلواز”…، ألتحف بالصمت، وفي كل مرة أتروى صورة حبيبتي وأنتظر، ينبجس في شريط مخيالي نثار من ذكرياتنا.

النفس!

في طفولتي، كانت إبنة خالة أمي عندما نصعد إلى السطح، تمشي على سور رقيق كما لو أنها تمشي على حبل سيرك. كان السور عاليا جدا، ولم تكن تهاب الموت.
في الطفولة نفعل مالا نقدر على فعله في الكبر.
ولكن الطفل يظل يسكننا، لأنه هو النفس.
لتسألوا المحللين النفسانيين!

لمن لايفهم!

قرأت بتمعن هذا: “الحلاقة وتزيين العرائس فن وجمال .. موهبة وإبداع .. قبل ان تكون مورد رزق”.
ماكتب هنا صحيح، لسبب واحد أن الحلاقة وتزيين العرائس هي استيتقيةما، وليس عملا اعتباطيا، إنها تؤسس لعنصر هام: الجسدانية البشرية.
فمن يمارس هذه المهنة، من النساء، يستفيد منها ماديا، لكنه يبدع فيها على اعتبار أنها فن وجمال، موهبة وإبداع.
إن الحلاقة تجعل المرأة تظهر بشعر جميل، وجذاب، وتجميل وجهها يمنحها سحرا وحسنا من خلال الماكياج الملائم، لأن لكل وجه ماكياجه. أما تزيين العرائس فهو فن وإبداع يجعل العروس تظهر في شكل جديد وبلباس باهر، ومصنوع بمهارة.
ووراء هذا العمل الفني والجمالي الأكثر خلوصا يكمن جهد كبير للمزينة، التي تتقن عملها التجميلي والتزييني.
في تطوان كثرت صالونات الحلاقة وتزيين العرائس، وكثرت معها المنافسة والاحتكار.
ولكل مزينة مهارتها، ولكل واحدة رزقها.

الرحلة

هناك رحلات كثيرة في التاريخ، رحلات كبيرة، مثل رحلة ابن بطوطة ورحلة ابن فضلان، رحلتان تركتا بصماتهما في تاريخ أدب الرحلات. وفي حقيقة الأمر، قرأت أكثر من مرة رحلة ابن فضلان، وسبب إعادة قراءة هذه الرحلة هو شغفي بها والمتعة التي تركتها في بعد الانتهاء منها، يبقى أثر النص الرحلي مثبتا.
في الرحلات التي ذكرت، ثمة عين ترصد كل صغيرة وكبيرة، وكل حركة وكل نفس، وكل ممارسة، بالإضافة إلى عوائد الأقطار التي تمت زيارتها، وفي ذلك الوقت لم تكن المواصلات متوفرة كما هو الأمر اليوم. كانت الرحلات شاقة.
اليوم، مامعنى أن نقوم برحلة؟!… ماالجدوى من القيام برحلة إلى مدينة أخرى؟!… قد يتعلق الأمر بتغيير، أو تبديل المكان، ملاقاة أناس آخرين، اكتشاف عالم آخر، له قسماته، وعوائده، أو قد يتعلق الأمر بالترويح عن النفس، والقضاء على الروتين الذي نعيشه في حياتنا اليومية المملة. إن الصورة غامضة حتى الآن، لكن الرحلة قائمة بذاتها.
في رحلة إلى مراكش، هناك فقط عين ترى، ترصد، تمشي، عين تحدد المكان، أو الأمكنة، لاتشير إليها، لأنها معروفة، وإنما تبصمها بطابع خاص، تقول ها أنا هنا، ولكنني غائبة، ومع ذلك تسجل ذكريات المكان أو الأمكنة. ها ساحة جامع الفنا، المنارة، قصر البديع، الأسواق، المباني، المساجد، المقاهي، المطاعم، الحمامات ارتفاع الأسعار، وكل شيء…. هذه العين تمشي كالأرجل، وتكتب تاريخها اليومي، ولاتنس أن تكتب أيضا عن ماهو طبقي في مراكش، حيث الفرق بين ساحة جامع الفنا التي تضم كل الطبقات وحتى السياح، وبين حي جليز الراقي، والفخم….
عين تقول ها أنا كنت هنا، أنا الحاضرة الغائبة.
في الرحلة متع، وتبديل، وتحوير، كما هو الطريق، كرونولوجيا وانعراج.
وفي الرحلة أيضا تحضر العين كأفق، عين عابرة.

ثلاث قصائد

روح

البحر امتداد الروح
والتباس السماء
كان لاهناك وهناك وهنا
والآن تكلمني أمواجه
كما لو أنها تتمزق في قلبي
وتبلسم ظلال الجرح!

خطو

مشينا على الشط
كان البحر هادئا
وكانت نجمته تراقب خطانا على الرمال!

ضحكة حبيبتي

ضحكتها مرسومة كلوحة…
عندما تكررها
أسقط
في
حضنها…

أبونواس وأحمد التيفاشي في شذريات رولان بارث

من بين الأسماء العربية التي يرد ذكرها في كتاب ” رولان بارث بقلم رولان بارث” السير ذاتي، ( والذي نشرت شذرات منه بجريدة العلم)، نجد كلا من أبي نواس وأحمد التيفاشي الذي استفاد، بلا أدنى شك، من نصوصهما وكتاباتهما، الأول من خلال فكرة ” الاستعارة”، والثاني في إطار اطلاعه على مؤلفه الموسوم ب ” مباهج القلوب”. وجدير بالذكر أن أحمد التيفاشي الذي جاء إسمه في كتاب رولان بارث هو التيفاشي ( شهاب الدين): ولد في تيفاش بالجزائر، رحل إلى مصر ودمشق، توفي عام 1253، وله ” أزهار الأفكار في جوهر الأحجار”، وفيه وصف 25 نوعا من الأحجار الكريمة. ولعل هذه الشذرات تؤكد مدى اعتناء رولان بارث بالثقافة العربية، من خلال بعض الأسماء الشعرية والعلمية، وكذا من خلال بعض الأقوال العميقة لعلماء العرب وعشقه لبعض الفضاءات المغربية والعربية على حد سواء… ففي شذرته المعنونة ” أبونواس والاستعارة” يقول بدقة: ” إن الرغبة لا تتحيز للموضوع. فعندما ينظر داعر ما إلى أبي نواس، فأبو نواس لا يقرأ في نظرته رغبة المال – وإنما الرغبة القصيرة تماما- ولذا فإنه يتأثر. إن هذه تصلح خرافة حكمية لكل علم من علوم التحوير: فلا طائل في المعنى الأبعد ولاجدوى من حدود المسافة: إن ما يهم في حسابنا وحده ويؤسس الاستعارة – هو التحوير نفسه(ص: 127). أما في الشذرة ( الثانية) الموسومة ب ” التحديد التضافري”، فإنه يقول بانتباه: ” هكذا يصف أحمد التيفاشي ( 1184-1253)، مؤلف ” مباهج القلوب” قبلة داعر: إنه يغرز لسانه ويحركه في فمك بعناد. فلنأخذ هذه من أجل برهنة سلوك محدد تضافري، ذلك لأن داعر التيفاشي يستمد من هذه الممارسة الإيروسية، المطابقة نوعا ما، حسب الظاهر، لوضعه الاحترافي، ثلاثة مكاسب: فهو يبرز علمه بالحب، ثم صيانة رجوليته، ومع ذلك، فإنه يجازف بجسده، حيث من خلال هذا الإطباق، يرفض الداخل، فأين هي التيمة الأساسية؟ إن هذا موضوع غير معقد ( كما يقول الرأي الشائع بقلق). بيد أنه مركب ( كما قال بذلك فورييه)… (ص: 172).

وإذا كان رولان بارث، في هذا الجانب، يقرب بعض الأفكار للقراء، – كيفما كان نوعهم- بواسطة استمدادها من مصادرها العربية المحددة، فإننا نجده، في مستوى آخر، يدافع عن الشخصية العربية بطلاقة، ومن هذا المنطلق نقدم هاهنا شهادة للروائي الليبي صالح السنوسي ، حيث يقول بجودة: ” لقد كتبت في السبعينات بعض النصوص بالفرنسية وربطتني علاقة بالمبدع الفرنسي الكبير رولان بارث قبل وفاته حينما كان يلقي محاضراته في السوربون، وكان يطلع على بعض من هذه النصوص، وأذكر انه قال لي ذات مرة: اسمع يا صديقي إن نصوصك هذه قد لا تجد من يتحمس لنشرها، وقد تجد صعوبة في أن يتعاطف معها القارئ الفرنسي والسبب في ذلك كله هو أنك تقدم الشخصية العربية في صورة تتناقض كثيرا مع تلك الموجودة مسبقا في ذهنية المتلقي الغربي والفرنسي بوجه خاص عن الشخصية العربية، ولهذا، فإن صورة أخرى مغايرة لذلك تعد بالنسبة إليه استفزازا وتشكيكا في مكتسباته المعرفية التي حسب ظنه لا يرقى إليها الشك، ولذلك فإنه يرفضها ويهمشها..”. وهذا، بالفعل، هو رولان بارث الذي تدل عليه كتاباته وأقواله الصادقة والصادرة، بلا رياء، من أعماقه.

Loading...