قراءة في مخرجات خطاب المسيرة الخضراء بمناسبة الذكرى 45

بقلم؛ الدكتور أحمد الدرداري

إن المسيرة الخضراء مرت من مرحلة تحدير تحرير الأرض ورفع الظلم وطرد المستعمر وصيانة الوحدة الترابية الى مرحلة البناء التنموي والتخلص من التخلف ومخلفات الفكر الاستعماري، بل وأصبحت بمبادئها وأهدافها تمثل جزء من الهوية الوطنية للمغاربة، وبذلك جاء الخطاب الملكي محملا بأبعاد واشارات تطرح مجموعة من المخرجات ذات الصلة بموضوع الحكم الذاتي والسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه وذلك كما يلي :

المخرج الأول : المخرج القانوني الدولي .

بما ان الشرعية الدولية والأمم المتحدة في شخص أمينها العام تؤيد المقترح المغربي كحل وحيد ونهائي لنزاع الصحراء المغربية ، وهو ما أيدته أغلبية ساحقة لأعضاء الجمعية العامة بحوالي 163 دولة أي بنسبة 85 في المائة من أعضاء هذه الهيئة الأممية الدولية . وبناء على حصيلة العمل الديبلوماسي ومجهودات تقريب وجهات النظر حول الموضوع، وتنظيم عدة لقاءات للتشاور بين الأطراف المعنية بالنزاع تحت إشراف أممي … وبناء على الحجج القانونية والدينية والتاريخية والإدارية التي تحسب للمغرب … فانه اصبح من الضروري والواجب على مؤسسات السيادة المغربية ان تلتفت لهذا المكسب الدولي وتحوله الى ميثاق دولي مكتوب حول شرعية مقترح الحكم الذاتي حتى يصبح غير قابل للتغيير او للانتقاص او للمساومة . فهذه الالتقائية الدولية و الالتفاف الدولي المؤيد للحل السلمي الذي يعتبر استفتاء دوليا ناجحا لصالح المقترح المغربي، اصبح مكسبا دوليا وديمقراطيا مهما ، وهو بمثابة عقد إذعان لصالح السلطات السيادية المغربية، وأصبح يفرض عليها ان تبادر إلى تحويل هذا المكسب الدولي الى ميثاق مكتوب وطرحه في مكتب الأمانة العامة للأمم المتحدة لتوقيعه بشكل رسمي من طرف أمينها العام، بالإضافة الى توقيع وتعزيز هذا الاعتراف الدولي بإمضاء ممثلي 163 دولة في الأمم المتحدة التي تؤيد المقترح المغربي وترفض المساس بالوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتبليغ الأطراف المعنية بهذا الإطار القانوني الديمقراطي الدولي لمنع أي هروب الى الأمام، وفرض الامر الواقع وتسهيل التشاور والانتقال الى مناقشة الموضوع المتعلق بتقرير المصير السياسي كجوهر لمشروع الحكم الذاتي الموضوع لدى اللجنة الرابعة وليس تقرير المصير السيادي المرفوض والذي ما زال موضوع مناورة الخصوم، والحد من التلويح والتهديد بالخيار العسكري او الأطماع التي تسبب انتهاكات متكررة للقانون الدولي وللمنطقة العازلة ولقرار وقف إطلاق النار وهو ما قد ينبأ بسيناريو المواجهة العسكرية.

 المخرج الثاني : التنزيل الديبلوماسي المؤيد للوحدة الترابية.

يمكن لجلالة الملك او لوزير الخارجية المغربي ان يدعو 163 سفيرا المعتمدين لدى جلالة الملك و الممثلين للدول المؤيدة للمقترح المغربي لاجتماع في دورة ديبلوماسية خاصة بالصحراء المغربية تعقد في العيون وتسويق فكرة توقيع الميثاق الديبلوماسي الدولي لمقترح الحكم الذاتي بالإضافة الى طرح تسريع عملية فتح او نقل قنصليات هذه الدول الى العيون او الداخلة، وتحويل الأنظار الدولية عن الأساطير المؤسسة للوهم والادعاءات المغرضة في مقابل تسويق واظهار ما يجري على ارض الواقع من نهضة تنموية شاملة … والضغط على فرنسا وإسبانيا لتصحيح ومراجعة وتوضيح موقفهما ورد الاعتبار لحقوق المغرب الترابية وحدوده الحقيقية التي تعرضت بسببهما للتغيير والمساس دون احترام لسيادته إبان الحماية.

 المخرج الثالث : تفكيك الارتباط الاجتماعي السياسي لبعض العائلات :

ويقتضي الانتباه لبعض مظاهر الارتباط السياسوي المسموم لبعض العائلات المنقسمة على نفسها بين من يعيش في المخيمات ومن يعيش داخل الوطن مع إمكانية اخفاء التآمر والانفصال الداخلي بسبب الانتماء القبلي او الأيديولوجي ، والذي يخفي أصحابه عملية تبادل المواقف والمنافع ، والاستفادة من اللعب على الحبلين وتأويل المعاني اللامتناهية للادعاءات بالتحليل للوهم وتبخيص المنجزات وتأييد فكرة افراغ المجهودات المبذولة على الأرض مع تحاشي المواجهة المباشرة مع السلطات ، والتمييز بين الشخص الوطني الذي يؤيد التنمية الذاتية للأقاليم الجنوبية والخائن الذي يعاكس مشروع الحكم الذاتي بين ابناء الوطن الواحد، او من يستغل الوضع بدون ضمير ويجعل من الريع والاستفادة من كثير من الامتيازات مرهونة بالقدرة على تغيير المواقف كلما تبين ذلك .

المخرج الرابع: التدبير الاقتصادي الاستراتيجي:

ان التوجهات الاقتصادية الاستراتيجية للأقاليم الجنوبية ليست عملية مجانية او روتينية ، بل تتوخى جعل الاقاليم الجنوبية قاطرة للتنمية ومنطقة للنهوض التنموي على المستوى الإقليمي والقاري ، ويجب إبرام اتفاقيات استراتيجية مع الدول الكبرى التي ترغب في إبرام شراكات مع المملكة المغربية سواء تعلق الامر بالاستثمار في الثروات الطبيعية بالاقاليم الجنوبية للمملكة او الواجهة الأطلسية البحرية التجارية او الصناعية .

المخرج الخامس: التعاون العسكري الاستراتيجي:

بالنسبة للتعاون العسكري الاستراتيجي بين المغرب والدول المصنعة عسكريًا منها الولايات المتحدة وابريطانيا وكذلك الصين وروسيا والهند وفرنسا ….، يمكن التعاون عسكريًا مع هذه الدول الكبرى في المجال العسكري لتقوية أمن المنطقة وحمايتها من خطر الإرهاب وانتزاع أسلحة من يد جماعات ليس من حقها ذلك وبعيدًا عن صفة الدولة اضافة الى تدبير ملفات كثيرة تتعلق بالأمن البيئي الافريقي ومنع استهداف البيئة في الحروب اضافة الى مكافحة خطر الاتجار في البشر وحماية حق استغلال الثروات في التنمية من طرف الدول. ومن جهة اخرى التصدي بالحزم والقوة لأي انتهاك اذا تخطى حدود استخدام المنطق والحكمة .

 المخرج السادس: التعاون المغاربي .

بالنسبة لمجهودات المغرب في إدارة الحوار حول الأزمة الليبية وكذلك أزمة مالي وغيرهما من الأزمات يمكن تعميق مبادرات متعددة للتعاون في مجال إدارة السلم والاندماج المجتمعي الداخلي للدول المغاربية التي تحتاج إلى صيانة هويتها الثقافية و وحدتها الترابية والى نهضة تنموية بدلا من إشعال فتيل الحروب والأزمات والاقتتال الداخلي او البيني بسبب الحدود .

المخرج السابع: التعاون المغربي الأفريقي .

منذ عودة المغرب الى بيته الافريقي تغيرت مقاربة التعاطي مع القضية المغربية الأولى وأصبح الاتحاد الافريقي يؤيد قرارات مجلس الأمن حول مغربية الصحراء، وتغيرت بعد عودة المغرب الى الاتحاد الافريقي مواقف غالية الدول الافرقية، وتتوجه اليوم الى فتح قنصلياتها في العيون والداخلة وذلك بفضل المجهودات المتواصلة للدبلوماسية المغربية ووعي الدول الأفريقية بمستقبل التعاون المغربي الافريقي الذي تؤطره اتفاقيات التعاون جنوب – جنوب المختلفة اضافة الى الموقع الاستراتيجي للمغرب عموما وللأقاليم الجنوبية المغربية بصفة خاصة التي أصبحت جسرًا يربط المغرب بعمقه الافريقي والقاري، وفي هذا الإطار ينبغي احداث سوق تجارية إفريقية في الداخلة ونقل مقر الاتحاد الأفريقي الى العيون لما لذلك من آثار إيجابية على مشروع الحكم الذاتي وانهاء التيه لدى أطراف النزاع ودفعها الى التفكير التنموي في مستقبل شعوبها بدلا من التخفي وراء مواضيع تعطل المطالب الحقيقية والمهمة باسم الصراع واختلاق المشاكل بهدف نهب الثروات ضدًا في شعوبها من طرف مافيا تتحكم في تعيين الحكام وفي قرارات ومواقف السلطة الحاكمة.

 المخرج الثامن: التلاحم الوحدوي الوطني.

تبقى الصحراء المغربية ثابتة لدى المغاربة وهو ما تؤكده الممارسة الواقعية من تنزيل للاوراش والمشاريع الكبرى اضافة الى ترسيم الحدود البحرية طبقا لمبادئ القانون الدولي وسيادة الدولة المغربية على مياهها وترابها و إذكاء التعاون المغربي الاسباني نظرا لوجود مصالح مشتركة ومناطق التداخل بين البلدين وإمكانية تقوية التعاون الأكثر مردودية حيث تم اكتشاف منطقة بحرية في المياه المغربية تسمى تروبيك، وهي منطقة جبلية في المحيط الأطلسي ويسميها بعض الخبراء بكنز المحيط الأطلسي، حيث تأكد رسمياً منذ سنة 2017 توفرها على المعادن النفيسة بوفرة كبيرة. وكشفت الدراسات أن منطقة تروبيك تتوفر على أكبر احتياطي في العالم من مادة تلوريو 52 الأساسية في الصناعة الإلكترونية ثم معدن كوبالت والذهب ضمن معادن أخرى. ويبقى المغرب صاحب القرار الأول والأخير في اتخاذ قراراته السيادية والتنموية واختيار الشركاء و تحديد وقبول شروط التعاون ، خصوصًا وقد اثبت للعالم قدرته على استرجاع أقاليمه الجنوبية ، ويواصل رفع التحدي التنموي بجعل الاقاليم الجنوبية قاطرة للتنمية ومنطقة للنهوض التنموي على المستوى الإقليمي والقاري

Loading...