الشاعر أسعد الجبوري والكتابة بالطاقة البديلة للُّغة الأم

وفاء كمال

بعد فترة نقاهة طوبلة …مررت بنصوص الشاعر” أسعد الجبوري ” هذه النصوص التي تجعلني أشعر وكأنني أقترف إثماً حين أجافيها . فإذا به يتساءل بِحيرة وقلق عن مصير نصوصه المطبوعة على ورق الكتب : هل هي نائمة في سبات ؟ أم أنها تقطع الصحارى والمدن والجبال والغابات، تزرع الزهور وتراسل الله والملائكة ، أم أنها مشغولة بمسح دموع الخنساء ؟..أم تتدفأ بين طيات فساتين النساء تلافياً للملل وقلة الاستروجين .هل… وهل ؟ وتتفاقم الأسئلة حتى تستولي الحمَّى على كل مقاطعات جسد الجبوري دون ان يحصل على جواب .
تلك الأسئلة لايمكن الإجابة عنها بعجالة ، لأن شعر الجبوري شعر عظيم مشحون بالمعنى باطناً وظاهراً.والنفوس المفطورة على حب الجمال لاتستطيع ان تزهد بكل تلك الوسامة والأناقة في المعاني التي نسجها الجبوري بخيوط مستخرجة من مناجم ذهب مخيلته ولغته المبهرة ، ومَوْسَقَها إيقاع غريب يتناغم مع مركبات النفس وتقلباتها . فوقت العناء ووقت الرخاء نجد قصائده تضجُّ بالدهشة والابتكار .تحمل فكراً عميقاً ورموزاً قوية الايحاء تعبر عن أعماق الكينونة البشرية وتستشرف المستقبل . فباستقراء نماذج من شعر الجبوري نجد أنه من غير الممكن ان تُذْهِب الأيام بريقها حتى ولو اختلف جميع من حوله على نصوصه . فهي تكتب حقاً بالطاقة البديلة للُّغة الأم . ورغم انتشار الكتاب اإلكتروني على الشبكة العنكبوتية ، وإقبال الكثيرين على القراءة الإلكترونية . تظل كتابات الجبوري تستهوي القارئ الذكي وتمتعه ،لأن من يخوض في كتابات الجبوري كمن يحفر في منجم من الذهب ، كلما امعن في الحفر كلما اكتشف أكثر .مما يجعل سلطة الكتاب الجبوري تتسم بالديمومة أكثر من سلطة القراءة الالكترونية . فحين تنقطع الكهرباء وأنت تقرأ كتابات الجبوري تنقطع أنفاسك معها لأنها تحمل للقارئ متعة لايتمنى زوالها إن ملامسة كتب الجبوري تشكل إحساساً ممتعاً إذ طالما أحسستُ وأنا ألامس نصوصه كأن جسداً يقفز من بين الكلمات ،يفجر جينات اللغة ويطهرها من الغبار والتحجر. حين تلامس نصوصه تشعر وكأنك تلامس مغنطيساً، لايمكنك التخلص من جاذبيته لقوتها التي تطغى على كل أنواع الأقطاب. فهو يجذبك رغم انه يحلِّق في سموات بعيدة. لكنه يتركك رهينة عالم من الصور الكثيفة وخصوصا حينما نجده في اجزاء ” بريد السماء الإفتراضي )يحاور في عالم البرزخ كبار الشعراء الذين رحلوا عن عالمنا ، فيعيد إحياءهم في سبعة اجزاء تشتمل آلاف الأسئلة المتراكمة .هذا المنجز الاستثنائي والمدهش لايكفي ان يحتفي به القارئ العربي بل يستحق ان يُحتفى به عالمياً وهذا مايحدث حقاً .فهذا المنجز الذي عجز النقاد عن تناوله حيث كان معظمهم يقفون مشدوهين وهم يتابعون تلك الرحلة الأثيرية مع الشاعر . بين طبقات السماء حيث يكتشفون ابتكاراً ابداعياً مدهشا ،بحيث يصعب علي انتقاء نماذج من الأسئلة التي يطرحها ويفضل العودة إلى محرك البحث غوغل للتعرف اكثر على منجزات هذا الشاعر وأسئلته التي يجيب عليها بنفسه لأنها جميعها تتسم بالابتكار وامتلاك زمام اللغة وهو يحلل شخصية الشعراء ويستكشف عوالمهم الخفية ،ويستقصى آثار بواطنهم ، ويعريها أمام القارئ الذي غفل عن كثير من جوانب الشعراء . لدرجة مكنت الجبوري من خلالها إعادة صياغة الكثير من المفاهيم والصور حول شخصية ما . حين عرى بعض جوانبها مستخدماً كل براعته ولغته وخياله ومعرفته الفلسفية والدينية والتراثية والأدبية والصحفية . ليعيد إلى اذهاننا شعراء غيبهم الموت من الشرق والغرب ، بطريقة إبداعية تجاوز فيها “رسالة الغفران “للمعري و”الكوميديا الإلهية ” لدانتي مثبتاُ تفرده بتلك التجربةالممتعة الرائدة والغنية . التي أكدت مع تجربته الروائية والشعرية الكثيفة أنه شاعر المخيلة الأول عربياً وعالمياً لذا يجب ان يطمئن الجبوري على ان كتاباته الموزعة على الورق ،بات مكانها في قلوبنا وحواسنا وخلايانا وأدمغتنا . لأنها لم تخرج عن حبال صوتية متهرئة من عض المايكروفونات . ولم تخضع للتقليد او الاستنساخ والتبعية .فهذه النصوص التي أتقنت الطيران تتوغل فينا محدثة زلزالاُ عنيفاً خلخل كل البيانات والطقوس .والأوزان منذ حرر ديوانه “أولومبياد اللغة المؤجلة ” في الثمانينات .مروراً بتجربته الروائية الفذة وابتكاره لقصيدة “النانو ” ،وصولاً إلى” بريد السماء الافتراضي ” ،حتى شعراء مابعد الورق
فطوبى لك من شاعر متجدد فاضت به اللغة حتى بات يشكل طاقة جديدة للُّغة الأم.

Loading...