بونسوار يا هانم

عائشة بلحاج*

في أفلام الأبيض والأسود، يتقدم الشّاب الأنيق من الفتاة الجميلة المتأنقة بالفستان الكلاسيكي، قائلا: بونسوار يا هانم، أتسمحين لي بهذه الرّقصة؟ تقوم الفتاة التي لمحت الشاب بالصّدفة قبل ذلك بقليل، وحصل القبول بينهما من بعيد، ليرقصا مع الحفاظ على مسافة الأمان بينهما، ثم تتطوّر القصة. يمكن أن يتقدّم شاب آخر صفيق من الفتاة نفسها، والذي يصبح بحكم عادة حبكة الأبيض والأسود، الشّخصية الشريرة في الفيلم. فترفضه الفتاة، وتكون تلك بداية مسلسل شروره، قبل أن يلقى مصيره بالموت في حادث غامض تُرتّبه العاقبة الأخلاقية (الكارما).

في الزّمن نفسه، وفي قصاصة عمرها عشرات السّنين، يتحدّث الكاتب المصري فكري أباظة، عن انحدار القيم وتعرض الشباب للنّساء في الشارع، قائلا: “إنّ الشاب الصّفيق من هؤلاء يتعمد الوقوف على رصيف محطة الترام بالقرب من المكان المخصص لركوب السيدات، وعندما يجد سيّدة تقف بمفردها، يقترب منها بمنتهى “البجاحة” ويقول لها دون سابق معرفة، بونسوار يا هانم”. تدفعني هذه الجملة التي كُتبت عام 1932، للعودة إلى مسار تغير عبارات المعاكسة في الشارع، من كلمات وجمل تنزل تدريجيًا على سلّم اللباقة، إذا سلّمنا بأنّ فيها لباقة أساسًا؛ من “مساء الخير” إلى “سامحيني رجاء على تطفّلي… أبحث عن زوجة”… إلى جُمل تدعو إلى “مرافقته”.

المدافعون عن المعاكسة اللّطيفة، يقولون: ماذا يفعل الشاب إذن إذا أُعجب بفتاة؟ ألن يعبّر عن إعجابه؟ تقوم الحيوانات في موسم التزاوج بلُعب الإغراء، ولا أظن أن حيوانًا ما “يدفش” الأنثى لإخبارها بإعجابه. ولا يبدو الشّارع نقطة التقاء منطقية، فهو المكان الأكثر عشوائية، رغم أنّ الناس يكونون أقرب من بعضهم جسديًا هناك أكثر من أي مكان آخر، لكنهم في الحقيقة أبعد؛ فالناس في الشارع غرباء أولا، ومنشغلون بأنفسهم ثانيا. كلّ منهم يتواجد في مسار منطقي قيد الطريق إلى مكان ما، يتطلّب ألا يتعرّض أيّا منهم للمضايقة خلال ذلك، سواء في طريقهم إلى لقاء عمل، أو موعد طبي، أو موعد غرامي، بأنفاس مختنقة، وقلقٍ نسبي، ويحتاجون فترة المشي لتصفية الذهن، لا لركن التعارف.

ماذا عن الأشخاص الذين ارتبطوا بعد اعتراض سخيف يقوم به شاب بتعقب فتاة إلى بيتها، أو يطلب رقم أبيها، أو رقم أمها؟ سمعت كثيرًا في أوساطنا المحافظة عن هذه القصص. هل حقا يطلب الشّباب رقم الأبوين، أو رقم الشابة أولا؟ ثم حين تكتمل القصة، لابد من حبكة يمكن إقناع الأبوين بها. كأنّنا في عالم آخر، مثالي بشكل سخيف، يجرّد الفتاة من الاختيار؛ فهي إما مُتحرَّش بها بشكل وقح، أو مَمحوَّة الإرادة بحيث يطلب الشّاب الذي لا تعرفه، رقم أبيها ليطلب منه أن يعيش معها حياة كاملة؟
الآن، في المدن الكبيرة بشكل خاص، تمشي معظم النساء، وهن يتمنّين مسدسا لإخفاء كل من يتحرّش بهن أو يضايقهن؛ يكفي أن يوجّهن المسدس ناحيته ليختفي ببساطة من الشارع “مثلما يحدث في عالم الدّيجيتال”، ويعُدن إلى تأمّل البحر، بينما يجد نفسه بعدها ينّظف حماما عموميا. هكذا تتوجه كل النساء إلى الكورنيش صباحًا وسط الأسبوع، ليستمتعن به وهو شبه خال، بدل البهدلة الحالية؛ حيث الهدوء فخّ تتوجّه فيه أنظار الثلاثة أو الأربعة رجال على الكورنيش، إلى أيّ امرأة تدخل المنطقة. يمكننا أن نتخيّل أن محرك الدماغ انتعش عندهم لحظتها، وأصدر تعليماته: انتباه، أنثى في الجوار، الرّجاء القيام بما يلزم. فيتوجهون إليها آليا مع الانتباه إلى منطقة الآخر، فالأقرب له حقّ المبادرة، وإذا لم يقم بما يلزم، أو فشل في اجتذاب ضحيته، معنى ذلك أنّ التّالي له حق المبادرة، ثم يقتربون ويتابعون تطوّرات الوضع، لعلهم يضحكون على الفاشلين منهم في اجتذابها، ويقتربون معتدّين بخبرات سابقة و”جبهة” عريضة.

التخلص من ثلاثة أو أربعة “ثعالب”، عملٌ شاق. أمام المرأة استراتيجيتان: أولا التجاهل، وهي استراتيجية تتطلب برودة أعصاب مذهلة، تصمت وتتجاهل الكائن الذّكوري وهو يحاول استدراجها باللطف أولا، ثم “البَحْلَسة” ثانيا، ثم الشتم والاحتقار كرد أخير، ومع ذلك لن يغادر. شخصيا، لم أتحمل يومًا لهذه الدرجة، لأن الوضع يصبح مقرفا للغاية قبل ذلك بكثير، غالبا بين المرحلتين الأولى والثانية، وفي أوقات نادرة أصل إلى مشارف المرحلة الثالثة. طبعا أحيانًا يكون بينهم هواة، يرمون الطّعم ويغادرون، إذا لم يتحقق الهدف من أول وهلة.
يمكن أن نشرح بشكل لانهائي، وبدون جدوى أحيانا، أنّ الأمر لا علاقة له بملابس المرأة؛ فسواء كانت ترتدي بذلة رياضية عادية، أو جلبابا، أو فستانا قصيرا… لا فرق بين ذلك كله، الأهم أنها أنثى، ولو كانت في الستين. أتخيل إحداهن في ذلك العمر تمشي في الكورنيش، و”ثعلوب” عمره عشرون أو ثلاثون يناديها: “الّميمة”، أو (Sugar Mami ) والمعادل لـ “شوكر دادي” (sugar daddy) أي النساء الأكبر سنا، اللواتي يجتذبن رجالا أصغر، بإغرائهم بإمكانياتهن المالية، لذا صار التحرش بالنّساء المتقدمات في السن رائجا من طرف الشباب. ألن يحتاج هذا إلى مسدس حقيقي أو دبابة، تفرغ كل الغضب التي تشعر به المرأة من عُمْر من التحرش؟

قد تُجرّب المرأة أن تقول للمُعاكس: لا أبحث عن زوج ولا مصلحة لي فيما تعرضه… دعني في حالي. يقول لها: لنعش قصة جميلة إذن. وقد يقول لها إنّ عليه العودة الى شقته من أجل ملء بطارية الهاتف، ويطلب مرافقتها له، وهذا يعني أنه يظنها تشتغل في الدعارة فقط لأنها تتجول وحدها على الكورنيش مثلا. كل هذه السيناريوهات قد تحدث عندما تطلب بلطف من المتحرش أن يتركها وشأنها. أما إذا شتمت المتحرش، وطلبت منه الانصراف، حينها سيرد عليها: من تظنين نفسك؟ اذهبي وانظري في المرآة، ما أبشعك!

* كاتبة وشاعرة مغربية

Loading...