المدينة العتيقة

مصطفى بودغية

في المدينة العتيقة.. اختلاط وتشابك الحميمي..

هنا في هذا الزقاق التقليدي الضيق.. كما في كل المدينة القديمة.. اختلاط واشتباك وتلاحم.. الزقاق مثل السيل العارم تتداخل الأجساد بعفوية نحو نفس مسار أو تتقاطع وتتشابك في مسارين متعاكسين.. في اتجاه دخول القوس المؤدي للنفق أو الخروج منه.. هي عفوية تفرضها هندسة المكان ومعماره.. تتشابه الملامح والقسمات.. وتتطابق تفاصيل المباني.. هي تقريبا نفس النوافذ.. نفس المداخل.. تتشابك الأسطح وتتلاحم.. هذا التداخل الحميمي.. يسمح بهذه الرؤية عن قرب المدهشة الرائعة.. تلتحم فيها العواطف والانفعالات في حياة جماعية شديدة الثراء.. يُقتسم فيها الخبز والماء.. يُحضَّر كأس الشاي أو القهوة لطالبه في المقهى.. وسرعان ما يصبح الكأس مشاعا للأصحاب.. هنا لا أحد يجوع.. الطعام قليل لكنه مشاع.. ما يأكله واحد.. يأكله أكثر من واحد.. الرِؤية عن قرب تسمح برؤية الألم في ثنايا وجه المرئي.. وتلمس المعاناة التي تعتصر الجسد المنظور.. هي المدينة العتيقة تتشابه في مبانيها وأقواسها ودروبها.. لكنها أيضا تتشابه في عواطفها.. تتشابه في ملامح ساكنيها.. لكنه تشابه لا ينكر الاختلاف حتى ولو كان حادا.. قلما يحاسبُ أحدٌ أحداً.. هنا يجد السكير والمجنون واللقيط والملحد والماجن اليد الممدودة.. يد المدينة دائما ممدودة نحن كل ساكنيها مباركين أو ملعونين.. هنا يتم اقتسام كل شيء حتى الضوء والظل يتوزع بعدل تلقائي على جنباتها وفي ثناياها.. للمدينة مداخل كثيرة.. لاستقبال الوافدين على اختلافهم.. تستقبلهم لتصهرهم جميعا في منطقها الحميمي الساخن.. لكن للمدينة ممر واحد يؤدي عبر باب واحد نحو المقبرة.. هناك حيث يعم الصمت والسكون يصل التشابه حد التطابق شبه المطلق…

اللوحة من إبداع الفنان الأستاذ محمد الجعماطي..

Loading...