قصة قصيرة “الريح” ليوسف خليل السباعي

الريح تصفر في الخارج…
النافذة الزجاجية العالية مغلقة بإحكام.
نهضت حنان منزعجة من السرير. كانت ترتدي قميص نوم أحمر شفاف…، اقتربت من النافذة، وفتحتها بيدها اليمنى الرفيقة الحانية.
كان ضوء القمر في الأعالي يشع وسط السماء. وبرغم الريح ظلت هناك تبصره بعيونها العسلية اللامعة.
كان القمر يضيئ غرفة النوم المعتمة، ويحدد كل أثاثها: جهاز تلفاز كبير، سرير، كونصولا، أدوات الماكياج( لابيس، قارورة أحمر الشفاه، قارورة عطر، مشط، صباغة، كريمات، سيكادور، ماريو ملآن بملابس شتى…)
كانت تعتني بنفسها، بأناقتها، وجمالها، ولاتريد أن تكون مثل النساء اللواتي لايعتنين بأنفسهن. لم تكن ترغب في أن تشيخ.
لم تتحرك حنان من قدام النافذة، بقيت ملتصقة بها، ووجهها يتطلع إلى القمر، كانت ترغب في أن يأتي… كأنه فارس يركب حصانا عربيا جامحا ويحلق بها في عنان السماء.
تتذكر حنان أيام دخل رجل ريفي، صلب الملامح، قوي النظرة، عيونه كالزجاج، وفمه مفتوح كحاوية قمامة، وأنفه غليظ، أحست بأن صقرا يخطفها، ويحلق بها في الأعالي. لكنها ظلت تنتظر… من دون أن تعرف أن هذا الرجل جاء ليطلب يدها للزواج. كان يكبرها بعشرين عاما…، لم ترفض…، لأنها كانت ترغب في خوض تجربة حياة جديدة، وكانت تقول في سرها:
– أنا قادرة على أن أجعل من هذا الرجل الخشن إنسانا بقلب رحيم!
لم يتدخل والدها ووالدتها في موضوع زواجها. تركوا لها القرار، ولتتحمل المسؤولية.
بعد خمسة أشهر أقيم الزواج، وظل الرجل الخشن يضاجعها بافتراس كمالوكانت دجاجة، ينتف ريشها في ليالي البرد والحر، لم تكن تشعر معه أنها حبيبة، ولم تذق معه طعم الحنو. وبرغم ذلك ظلت صابرة، ومتحملة.
كانت حنان تخرج بين الفينة والفينة للتسوق، وكانت تتأخر لساعات في السوق، وعندما كانت تعود إلى المنزل محملة بالحاجيات تجد الرجل الخشن في انتظارها…، عيونه حمراء كالنار، وشعره مشعث، وأنفه كخرطوم الفيل. وبلارحمة، كان يمسكها من يدها اليمنى بشدة، ويدخلها إلى غرفة النوم، ويجردها من لباسها فتغدو كحواء، ثم يضع أصبعه الغليظ الخشن في مهبلها، ويفتش جيدا، ثم يخرج … ووجهه مكفهر، وتكرر ذات المشهد مرات عديدة، وفي كل مرة، كانت حنان تتألم ولاتنبس… وفي لحظات، كانت تقول في سرها:
– إنه رجل مريض، ومتوحش!
مرت أيام وليالي، وشهور، وذات يوم، طلب الرجل الخشن من حنان أن ترافقه إلى غرفة النوم، أدخلها بعنف، ثم أغلق الباب بالمفتاح بإحكام، لكنه، في غفلة منه، نسي أن الغرفة تحوي نافذة زجاجية عالية.
ظلت حنان وحيدة في الغرفة. كانت تتنفس من هواء النافذة.
وفي تلك الليلة، التي أشع فيها القمر وسط السماء، غزا ضياء سحري غرفة النوم.
كانت الريح تصفر…، فصعدت حنان على حافة النافذة، وألقت بنفسها في الهواء.
في الصباح، عثر عليها أطفال الحي ملقاة على ظهرها على الأرض، وأثار دم في أنحاء جسدها، بينما عيونها اللامعة مفتوحة على الأفق.

Loading...