عبد العزيز الطريبق، 14-10-2026
تعيش الملكية الإسبانية إحدى”أزهى“ فتراتها منذ سنوات، وذلك بقيام الملك فيليبي السادس بزيارة مدينة سبتة المحتلة… يبدو التاريخ بإسبانيا وكأنه يعيد نفسه (والمقصود الثلاثينيات من القرن الماضي قبيل الحرب الأهلية). صعود اليسار لرئاسة الحكومة، تموضع أقصى اليسار على يساره بشعاراته الدوغمائية ومطالبه “المستفزة”، تصاعد المد الاستقلالي (الكطالوني على وجه التحديد) وقد ساند بعضه الحكومة الاشتراكية لفترة ثم ساهم في إسقاطها (وكل هذه التيارات كانت ذات نزوع جمهوري تاريخيا)، وصعود لليمين القومي مصحوبا بعودة أقصى اليمين الفاشي… ثم اهتزاز المؤسسة الملكية، خصوصا بعد انفجار “ملف” الملك خوان كارلوس وما استتبعه من تنازله على العرش لفائدة ابنه… كل هذا جعل العرش الإسباني محط تساؤلات وسط الأوساط الإسبانية عامة وخصوصا منها ذات الميول الجمهوري التاريخي.
فجاءت أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة لتتيح للملك فيليبي السادس إمكانية إعادة البريق للتاج الإسباني من خلال اصطفافه مع الموجة الشوفينية التي اجتاحت المجتمع الإسباني، شديد “الحساسية” اتجاه كل ما يتعلق ب”المورو”، العدو التاريخي والأزلي. وبينما كان الملك السابق، الأب خوان كارلوس قد أبدى استعداده، أواخر السبعيننيات من القرن الماضي، لإعادة المدينتين السليبتين للمغرب، تماهى الملك فيليبي السادس كلية مع مطالب اليمين الشوفيني وأقصى اليمين الفاشي. وكان من الطبيعي أن يستقبل ب”الأحضان” في سبتة عوض الصفير الذي كان يصاحب ظهوره خلال حضوره لبعض نهايات كأس اسبانيا التي تكون أطرافها باسكية أو كطلانية أو هما معا…
أبى فيليبي السادس إلا أن يزور قبور من توفوا من المهاجرين خلال محاولة المرور لسبتة، والمدفونين في المقبرة الإسلامية بالمدينة. وهو سلوك يراد منه إبراز موقف “إنساني” ما ، لكنه ليس سوى محاولة للتستر على كون ظاهرة الهجرة غير القانونية نحو إسبانيا (ما يعرف ب”الباطيرات”) قد انطلقت بالضبط في سنة 1991 حين فرضت إسبانيا التأشيرة على المغاربة تماهيا مع سياسة باقي الدول الأوروبية. وهي ظاهرة تعززت على امتداد التسعينيات وخصوصا بعد تشييد حائط شينغن الأوروبي الذي لم يعد يقبل بحرية تنقل البشر، بل فقط بحرية تنقل سلعه، وأبنائه، نحو بلدان العالم الثالث… وتوجد عدة مقابر في بعض المدن بجنوب اسبانيا، منذ مدة، ترقد فيها رفات العديد من المغاربة، وغيرهم، الذين انتقل بهم حلمهم بفرصة حياة أفضل إلى مغادرة دنيانا في أبشع الظروف. أما الهجرة نحو سبتة فيعود الفضل فيها للحكومة المركزية الإسبانية بقراراتها الملتبسة بتسوية وضعية حوالي نصف مليون من المهاجرين غير الشرعيين، وكذا لقرار محكمة إسبانية بعدم الإعادة التلقائية للمهاجرين القادمين بحرا… سياسة الحائط الأوروبي، المتناقضة مع حاجيات أوروبا في اليد العاملة وفي تشبيب ديموغرافيتها، هي السبب الرئيسي في كل هذه المأساة الإنسانية التي حاول الملك فيليبي السادس هنا إظهار “تفاعله” مع بعض مخلفاتها مع إلقاء اللوم، ضمنيا، على مصدر الهجرة…
فيليبي السادس لم ينبس، طبعا، بكلمة عن كل أشكال العنف الذي تعرض له الأحياء من المغاربة، قاصرين وبالغين، الذين دخلوا سبتة خلال هذه الموجة، والذي وثقته العديد من الصور وشرائط الفيديو…
لكن، مما ساهم في تعتيم صورة الزيارة الملكية هذه لسبتة، عوض جعلها فترة “نشوة” سياسية ملكية محضة، حضور زعيم أقصى اليمين الفاشي الإسباني، أباسكال، مصحوبا باليميني العنصري الفرنسي بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفاشي الفرنسي، الذي يجر وراءه ملف التصريحات العنصرية في بلاده والتي تهدد مستقبله السياسي بعد تحقيقات الموقع الإعلامي “ميديابار” (Mediapar)…
فالزعيم اليميني الفاشي أباسكال أبى خلال هذه الزيارة سوى أن يفصح عن نواياه المستقبلية القاضية بأن إسبانيا دولة “مسيحية”، والرافضة للهجرة والمهاجرين… ولتجسيد هذه الفكرة السخيفة وقف هو و”الزعيم” الفرنسي بارديلا، وقف مسرحية، فوق ربوة مطلة على حي البرينسيبي بستبة (وهو حي شبه “عشوائى” في بنائه وممراته)، الخاص بالمغاربة السبتاويين “الإسبان”، أصحاب الأرض الأصليين، أو “المسلمون” كما يسمونهم هناك، ليشيرا له كمنتوج للهجرة السرية “المدمرة” لأوروبا، مع تحوله إلى أحد ّأخطر” الأحياء بإسبانيا…
طبعا أباسكال تجاهل، عن قصد، أن الأغلبية الساحقة لسكان حي البرينسيبي من المغاربة هم حاملين للجنسية الإسبانية بعد أن ناضلوا بقوة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في وجه “قانون الأجانب” الذي كان يهدف لطردهم من مدينتهم (كما هو الحال بالنسبة لمليلية المحتلة كذلك) أو تحويلهم إلى أجانب فيها بالنظر لعدم توفرهم آنذاك على الجنسية الإسبانية التي لم تكن مطلوبة منهم، قبلا، للأقامة في مدينتهم، إذ كانوا يتوفرون فقط على بطاقة إحصائية… وتجاهل أباسكال، كذلك، أن وضعية الحي ناتجة عن وضعية الحيف الاجتماعي والاقتصادي الذي يتعرض له “المسلمون” هناك منذ قديم الزمن، فالحي يعاني من نسبة بطالة تفوق 60%، أي ثلاثة أضعاف نسبة البطالة في المدينة على سبيل المثال، والتي تفاقمت مع توقف تهريب السلع ، دون توفير البديل لسكانه…
لم يكتف أباسكال بهذا، بل صار يحلم باقتلاع هؤلاء الساكنة من مدينتهم متناسيا ما قد يحدثه هذا من اضطرابات في المدينة لن ينفع معها فوكس ولا الحزب الشعبي ولا حتى العسكر الذي ينوي “فوكس” مضاعفة أعدادهم بالمدينة وتحويلها إلى حصون مدججة بالسلاح على نقفات باقي إسبانيا والاتحاد الأوروبي… وهي أحلام لن يصدقها سوى العنصريين من أمثاله كبارديلا الحالم ب”تطبيع” وضعية حزبه بفرنسا كحزب عادي، لكنه يهرع لإسبانيا لمناصرة حزب من أقصى اليمين العنصري. ومن المؤكد أن بارديلا بتصرفه هذا لن يستطيع طمأنة المقيمين المغاربيين (وغيرهم) بفرنسا على نوايا حزب لوبين، التجمع الوطني، اتجاههم، سواء المقيمين بشكل قانوني أو اللاشرعيين، بل حتى المجنسين…
لم يعلن المغرب، رسميا، عن أي موقف من هذا التحرك الملكي الإسباني، الذي من المؤكد أنه قد يجمد العلاقة “الخاصة” ما بين العرشين، كما إنه لم يصدر عنه شيئا فيما يتعلق ب”أخبار” الصحف الإسبانية، ومنها “الباييس” عن اقتراب بعض السفن الحربية المغربية من المياه المحيطة بسبتة (والتي قللت من شأنها حكومة سانشيز رغم إرسال إسبانيا لبعض بوارجها للمنطقة)… لكن المغرب، عن طريق الخطاب الملكي الأخير للتاسع من أكتوبر، أعلن عن منهجيته في التعامل مع موضوع الهجرة وعن بلورة تصوره الخاص لمعالجتها بشراكة فعلية مع الاتحاد الأوروبي. علما بأن المغرب يعاني بالدرجة الأولى من سياسة الأسوار التي فرضتها أوروبا من خلال شينغن وباقي البرامج المتشددة لمراقبة حدودها، إذ تحول المغرب لبلد حاضن بدوره للمهاجرين غير القانونيين بما يترتب عن هذا من إجراءات لتسوية وضعيتهم واحتضانهم اقتصاديا واجتماعيا…
أما موضوع المدن المحتلة فلم يكن مطروحا على الأجندة السياسية والدبلوماسية المغربية، بلهم الإسبان الذين أثاروه في حديثهم المتحامل عن “الغزو المغربي”، وهو تكييف تبناه الإسبان بداية بكل أطيافهم وأذكت ناره وسائل الإعلام، لينفرد به اليمين العنصري وأقصى اليمين الفاشي بعد ذلك. والمغرب عودنا ألا ينساق في دبلوماسيته وراء ردود الأفعال المباشرة.
يمكن لفيليبي السادس أن يقيم بسبتة حتى، فلن يغير هذا من كونها (ومليلية) تشكل آخر معاقل العار الاستعماري الأوروبي بإفريقيا وبالمغرب على وجه
التحديد.





