تصاعد الخطاب العنصري في الملاعب الإسبانية: حادثة مباراة إسبانيا ومصر نموذجًا مقلقًا

متابعة – صدى تطوان /أحمد بيوزان : شهدت المباراة الودية التي جمعت المنتخب الإسباني بنظيره المصري، في إطار استعدادات المنتخبات لنهائيات كأس العالم المقبلة التي ستقام في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، واقعة أثارت جدلاً واسعًا داخل إسبانيا وخارجها. فقد رددت مجموعة من الجماهير الإسبانية شعارًا عنصريًا مسيئًا للمسلمين: “الذي لا ينط هو مسلم”، في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش حول تنامي ظاهرة العنصرية في الملاعب الإسبانية.

إدانة إعلامية واسعة… ولكن

الحادثة لم تمر مرور الكرام، حيث تناولتها العديد من البرامج الرياضية والإعلامية الإسبانية والعربية والدولية، وعلى رأسها البرنامج الشهير “شيرينغيتو”، الذي خصص حلقات لتحليل هذه الظاهرة. وقد أجمع المحللون والصحفيون المشاركون على إدانة هذه السلوكيات، معتبرين أنها تسيء لصورة إسبانيا وتهدد سمعة كرة القدم الإسبانية على الصعيد الدولي.
غير أن هذه الإدانات، رغم أهميتها، تطرح تساؤلات حول مدى جديتها، خاصة في ظل تكرار مثل هذه الحوادث دون اتخاذ إجراءات حازمة تضع حدًا نهائيًا لها.

من العنصرية العرقية إلى الإسلاموفوبيا

ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، فقد سبق أن شهدت الملاعب الإسبانية عدة وقائع عنصرية، أبرزها تلك التي استهدفت لاعبين من أصول إفريقية، كما حدث مع النجم البرازيلي فينيسيوس جونيور، الذي تعرض مرارًا لهتافات عنصرية. هذه الاعتداءات دفعت اللاعب إلى التصريح في وقت سابق بأن إسبانيا قد لا تكون مؤهلة لتنظيم كأس العالم بسبب استمرار هذه الظواهر.
الجديد في حادثة مباراة مصر هو انتقال الخطاب العنصري من استهداف اللون إلى استهداف الدين، حيث برزت مظاهر الإسلاموفوبيا بشكل واضح، ما يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة الخطاب داخل بعض المدرجات.

جذور الظاهرة: سياسة وإعلام ومجتمع

يرى العديد من المتابعين أن المجتمع الإسباني، رغم مظهره المنفتح، يخفي في عمقه توترات تجاه المهاجرين، خاصة المسلمين. وتعود هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، من أبرزها:
الخطاب السياسي: حيث تلعب بعض الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة دورًا في تأجيج مشاعر العداء تجاه المهاجرين، من خلال ربط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بوجودهم.

الدور الإعلامي: إذ يركز جزء من الإعلام الإسباني بشكل مكثف على الجرائم المرتكبة من قبل مهاجرين، خصوصًا من أصول مغاربية، في مقابل تجاهل أو تقليل التغطية لجرائم مماثلة من فئات أخرى.

ضعف سياسات الإدماج: حيث يعاني العديد من المهاجرين من التهميش والإقصاء، نتيجة غياب برامج فعالة لإدماجهم في المجتمع.
مونديال 2030 بين الرهانات السياسية والرياضية
تأتي هذه الأحداث في وقت حساس، حيث تسعى إسبانيا إلى احتضان نهائي كأس العالم 2030 بالشراكة مع المغرب والبرتغال. وقد أثارت هذه الحادثة مخاوف من تأثيرها على ملف الترشح، خاصة في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة.

ويرى بعض المحللين أن موجة الإدانات الإعلامية الأخيرة قد تكون مدفوعة جزئيًا بالخوف من فقدان هذا الامتياز، خصوصًا في ظل المنافسة مع المغرب، الشريك في التنظيم، والذي يحظى بدعم متزايد على الساحة الدولية.

خلاصة

تكشف حادثة مباراة إسبانيا ومصر عن إشكالية عميقة تتجاوز حدود الملاعب، لتلامس بنية المجتمع والسياسة والإعلام في إسبانيا. فالعنصرية، سواء كانت عرقية أو دينية، لم تعد مجرد حالات معزولة، بل أصبحت ظاهرة تستدعي معالجة جذرية وشاملة.

وإذا كانت إسبانيا تطمح إلى تقديم نفسها كوجهة عالمية لاحتضان أكبر التظاهرات الرياضية، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه تظل محاربة كل أشكال التمييز داخل ملاعبها وخارجها، ليس فقط عبر الإدانات، بل من خلال سياسات وإجراءات ملموسة تعكس التزامًا حقيقيًا بقيم التعايش والاحترام.

Loading...