حين تبيض خطابات الحكومة خرافا وتلد الأسواق فراقشية!

صدى تطوان 

يبدو أننا كنا نعيش في غفلة من أمرنا، أو ربما كنا نتابع نشرة الأخبار لدولة أخرى غير التي نقطنها. فبناء على الخطابات الرنانة والتصريحات الوردية لحكومة “الكفاءات”، كنا ننتظر عيد أضحى أشبه بمهرجان الوفرة؛ قطيع وفير يتجول في الشاشات، أثمنة في متناول الجميع، وصحة جيدة تجعل الخروف يبدو وكأنه خارج للتو من مصحة تجميلية. كانت الوعود سخية إلى درجة جعلت المواطن البسيط يتخيل أن المشكلة الوحيدة التي ستواجهه هي اختيار لون الصوف الذي يناسب ستائر صالونه.

لكن، وكما هي العادة في دراما الواقع المرير، استيقظ المواطن من حلم “الكفاءات” ليجد نفسه في ساحة المعركة الحقيقية، وجها لوجه ليس مع الخراف، بل بين فكي “الفراقشية” وسماسرة الأزمات. هناك في الأسواق، حيث تختفي الأرقام الرسمية وتظهر الأرقام الفلكية، تضاعفت الأثمان بقدرة قادر، وفي حالات كثيرة تحول البحث عن أضحية العيد إلى ما يشبه التنقيب عن الآثار؛ شهادات تتوارد من كل حدب وصوب تؤكد أن الخروف أصبح كائنا أسطوريا يُسمع عنه ولا يُرى، وإن وُجد، فإنه يطلب مهرا يعجز عنه المواطن المنهك أساسا من مصاريف المعيشة اليومية.

إن هذا التباين الصارخ بين “رغد” الخطب الحكومية و”جحيم” الواقع في الأسواق يثبت أننا أمام كفاءة من نوع خاص: كفاءة في تسويق الوهم وإتقان فن التبرير. عندما تعجز حكومة بكامل عتادها عن حماية المواطن من جشع الوسطاء وتأمين شعيرة دينية واجتماعية أساسية، فإن أضعف الإيمان ليس الخروج بمزيد من التبريرات الجافة، بل امتلاك الشجاعة السياسية والأخلاقية لتقديم اعتذار رسمي وواضح للمواطن الذي تُرك وحيدا في مواجهة “الفراقشية”، متبوعا بتقديم الاستقالة. فالاستقالة هنا ليست اعترافاً بالفشل فقط، بل هي رأفة بما تبقى من جيوب المواطنين، وفسح للمجال لمن يدرك أن الأسواق تُدار بالرقابة الصارمة والواقعية، لا بالبلاغات الإنشائية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

Loading...