الصفحة الرئيسية

 

الفعل العمومي ومفهوم الجودة ضمن خدمات الجماعة الترابية

بقلم-محمد الرشيد الخشين

ينسجم تصوٌرُ دور الجماعة كمقاولة مع الفلسفة الإدارية الحديثة للجودة، بإنتاج خدمات تحترم مواصفات وضوابط الجودة. فكيف إذن ظهر هذا المفهوم وتطور؟ وكيف إنتقل من القطاع الخاص إلى المجال العمومي ؟ وكيف يمكن إسقاطه على الخدمات الإدارية والتقنية الجماعية من جهة؟، وما هي الوسائل التي تضمن بها الجماعة تحقيق الجودة للخدمات العمومية المحلية من جهة أخرى؟.

تطور مفهوم الجودة:

الجودة مفهوم فهو حديث نسبيا، وظهر في القطاع الخاص بفضل الأبحاث والدراسات التي قدمها مجموعة من الباحثين الأمريكيين، – في مقدمتهم جوران “JAURAN”  وغروزبي “Grosby”  ودومينيك “Deming”-، والتي لم تجد لها تجاوبا وإقبالا من لدن الشركات الأمريكية، لذلك عرفت هذه الأبحاث تطبيقاتها في اليابان، وحققت نجاحا كبيرا للشركات اليابانية، وانتشارا واسعا بعد ذلك في أوروبا وأمريكا. ويقصد بالجودة حسب تعريف المنظمة العالمية للمعايرة، أنها “مجموع خصوصيات منتوج أو خدمة من شأنها أن تؤهله لتلبية الحاجيات الضرورية أو الضمنية”[1]. فالجودة والإجادة إذن، منهج حضاري مخطط لإحداث تنمية ثقافية، اقتصادية، اجتماعية، وهذا لا يتم إلا في وجود سياسة وأهداف وخطط للجودة تضعها الإدارة.

ومن جانب آخر، فإن مفهوم إدارة الجودة، هو أسلوب تدبيري ارتبط بالإدارة الحديثة في القطاع الخاص، وأصبح يجد تطبيقاته في كل القطاعات، وهو مرتبط بثقافة الجودة التي تخص المدراء التنفيذيين والأشخاص القياديين والمختصين في الجودة، ذلك أن مفهوم إدارة الجودة تطور وأصبحت له أبعاد متعددة، بحيث أصبحت الجودة استراتيجية تنافسية وأساسا لفلسفة إدارية حديثة وشاملة، تقوم على أساس إحداث تغييرات إيجابية جذرية لكل شيء داخل المنظمة، الفكر، الأسلوب، القيم، المعتقدات التنظيمية، المفاهيم الإدارية، نمط القيادة، الأداء…، لأجل تحسين وتطوير كل مكونات المنظمة للوصول إلى أعلى جودة في مخرجاتها[2]. وإذا كانت النظرية التقليدية للجودة تقوم على الإجراءات التقنية، فإن النظرية الحديثة تشمل كل أبعاد الجودة الإستراتيجية والتنظيمية والتجارية والمالية والبشرية، وهو ما انبثق عنه مفهوم جديد، هو إدارة الجودة الشاملة الذي يخص جميع وظائف المنظمة وليس المنتوج فقط .فلماذا يجب وضع مسار الجودة في مركز الصدارة في كل الميادين والقطاعات؟

يقول هنري فورد [3]“المنافس الأكثر قوة هو ذلك الذي لا يهتم أبدا بكم،لكنه يحسن باستمرار أعماله الخاصة”.هذه القولة تجيب عن هذا السؤال.إذ من الأفضل عدم المجازفة بالركود لصالح المتنافسين الذين سيطرحون في المستقبل القريب منتجا أفضل جودة وستكون لديهم السيطرة التامة على تنظيمهم.فالتسابق على السوق يوجب المعرفة بطرق التكيف وتحسين منهجيات العمل على مستوى الأداء  والمنتجات على السواء لتطوير إرضاء الزبائن بدون توقف وجعلهم دوما أوفياء.وهذا مما يفهمه المتنافسون بشكل جيد.

يهدف مسار الجودة يهدف مسار الجودة إلى تحسين اشتغال المقاولة ومعرفتها العملية،فهو يوجه إستراتيجية التنظيم والإنتاج وفق انتظارات  الزبناء ويسمح للمأجورين بالعمل في أفضل الشروط.وهذه الأداة الإستراتيجية يجب أن تكون مدعومة من طرف الإدارة وأن يتم إشراك كل الموظفين لأن تنفيذه يتطلب دعم الشركة بأكملها.وعلاوة على ذلك فإن تبني مسار الجودة دعم للتنمية المستدامة للشركة.وبحسب دراسة أنجزتها المنظمة الدولية للتوحيد القياسي،فإن الشركات التي تدمج سياسة الجودة يلاحظ نمو سنوي ما بين 0,15 في المائة إلى 5 في المائة.[4]

وفي تنفيذ مسار الجودة هناك دائما مواجهة لمبدأ التحسين المستمر،فهو أكثر بكثير من مجرد منهجية بسيطة،إذ يحمل في ذاته إيديولوجيا.فبدل القيام بتغييرات جذرية قد تقلب عادات مجموعات العمل،يتعلق الأمر هنا بإنجاز تغييرات منتظمة وتدريجية،ومن هنا استمرارية التحسين.وتستلزم الجودة الشاملة[5]،كما أكد على ذلك العديد من الباحثين والمختصين بمرور إدارة الجودة الشاملة بخمس مراحل :1-الفحص،2-التفتيش،3مراقبة الجودة،4-تأكيد الجودة،5-حلقات مراقبة الجودة. فإدارة الجودة الشاملة هي طريقة لإدارة المستقبل، وهي مفهوم أوسع في تطبيقاته، من كونه يضمن جودة الخدمة أو السلعة، فهي طريقة لإدارة الأفراد والعمليات لضمان تحقيق الرضا التام. ويمكن القول بأن مفهوم إدارة الجودة عرف تطورا من حيث التحديد المفاهيمي، فمن نظرة تقليدية كانت ترتكز على جودة المنتوج، ثم أصبحت ترتكز على إرضاء الزبون، مع إعطاء الأهمية للسعر والوقت، إلى نظرة حديثة تستند على مفهوم إدارة الجودة الشاملة، التي لا تهدف إلى إرضاء الزبون فقط بل إلى إغرائه. وبناء عليه، لم تعد إدارة الجودة أمرا يخص فقط منشآت القطاع الخاص، إذ انتقلت إلى الفضاء العمومي رغبة في تحقيق النجاعة الإدارية، بحيث أن إدخال مبادئ وآليات السوق على إدارة الخدمة العامة سوف تحسن من كفاءة الخدمة وجودتها[6]

تحسين جودة خدمات الجماعة الترابية

       لم تعد الجودة مطلبا يجب تحقيقه، بل أصبحت شرطا أساسيا يجب استحضاره في تدبير الفعل العمومي المحلي. لذلك فإن الخدمات التي تقدمها الجماعة المقاولة للمواطنين، لابد وأن تدخل في اعتبارها مفهوم الجودة وما يحيل عليه من فعالية وشفافية ومصداقية، لأن الإشكال الذي تعانيه الجماعات الترابية، هو تدني مستوى الخدمات وتفشي مجموعة من الأمراض البيروقراطية، التي تجعل المواطن غير راض عن منتجات المرافق العمومية الجماعية بصفة عامة.

هذا، و تتوفر اليوم جل الجماعات الترابية على وسائل التكنولوجيا الحديثة، وعليها أن توظفها من أجل الرفع من فعالية الأداء، وبالتالي الرفع من قدرتها التنافسية. كما يتعين عليها اعتماد مقاربة استشرافية مبنية على التخطيط البعيد المدى والبرمجة الدقيقة من أجل مسايرة الحاجيات، وتوفير خدمة عمومية عصرية في مستوى المقاييس العالمية لربح معركة التنافسية.

إن تحديث وعصرنه التدبير الجماعي، لاسيما في المرافق الإدارية يعتبر من أولويات الجماعة المقاولة، لكونها وسيلة اتصال هذه الأخيرة بالجمهور، بتقوية بنية الاستقبال، وبالتالي فكلما قدمت خدمات بمستوى عال من الجودة، كلما كسبت ثقة واحترام المواطنين. وفي هذا الإطار، تعد الإدارة الالكترونية وسيلة راقية لتقديم الخدمات الإدارية، والتي تدخل في إطار النقلة النوعية التي بات يعرفها التدبير المحلي.[7].

وإذا كان الهدف من وراء مكننة المصالح الإدارية الجماعية هو تحسين مستوى الخدمات، وبالتالي إعطاء صورة راقية للتدبير، تبعث على جو الارتياح والثقة مابين الإدارة الجماعية والمواطنين، فإن الأمر في تقديم الخدمات التي تهم المصالح التقنية تعد وسيلة لتقديم منتوجات ترضي المواطن/ الزبون من جهة، وغاية تضمن بها الجماعة المقاولة توسعا لمجالها المالي، لمواجهة الحاجيات المتزايدة للاستثمار من جهة أخرى، دون المبالغة في فرض رسوم جديدة على المواطنين. وقد يكتسي النشاط  الخدماتي في جزء منه طابعا تجاريا[8]، إذ لا تخلو جماعة حضرية أو قروية في المغرب من مجزرة بلدية، وسوق للجملة. وبذلك، فإن الحرص على إنتاج خدمات إدارية أو تقنية ينسجم مع فلسفة التدبير المقاولاتي لأجل تنشيط الاقتصاد المحلي.

وإذا كانت الجماعة المقاولة مسؤولة عن تحقيق الجودة في الخدمة العمومية بواسطة مصالحها وبوسائلها الخاصة، فإنها تسعى إلى تحقيقها وضمانها بوسائل أخرى كآلية الصفقة العمومية ، لكونها أداة لتنفيذ السياسة الاقتصادية والاجتماعية للمجالس الترابية[9]، إذ يتوقف نجاح الصفقات العمومية المحلية على كفاءة وحنكة الإدارة التي تشرف على تسييرها[10].

وتحقيق مطلب الجودة في منتوج الصفقات العمومية المحلية، سواء تعلق الأمر بالأشغال أو الخدمات أو التوريدات، هدفه خلق ميزة التنافسية في المنتوج، خصوصا مع الطفرة المعلوماتية والتحولات المتسارعة، الأمر الذي يفرض التجديد والإبداع[11]. وتكتسي الجودة في تدبير الصفقات العمومية المحلية، أهميتها من حيث حجم الأموال التي تصرف في سياقها، وأيضا باعتبارها وسيلة للاستثمار المحلي. وعلى هذا الأساس تعتبر الصفقات الجماعية، آلية إستراتيجية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.

إن الجماعات الترابية اليوم مطالبة بأن تعي التحولات الكبرى الحاصلة في المحددات التي تحكمها، فهي لم تعد تلك الوحدات الإدارية والترابية التي تقدم الخدمات الروتينية واليومية للمواطنين، بل يتعين عليها اليوم أن تعمل على تنشيط الدورة الاقتصادية والحركة الإنتاجية وخلق الثروات وتوزيعها بشكل يلائم طموحات الساكنة الجماعية. بل الأكثر من ذلك، عليها أن تتطلع نحو مستوى أفضل لاحتلال موقع رائد، كإطار ترابي لجلب الاستثمارات وإبرام الصفقات، والولوج إلى الأسواق العالمية عن طريق تقديم عروض جد محفزة ومغرية بتسويق منتوجها الترابي، وما تتوفر عليها من مؤهلات سواء كانت طبيعية أو سياحية أو صناعية يمكن استغلالها استغلالا أمثل، لتوفير بنية تحتية لاستقرار الرساميل الأجنبية وخلق فرص الشغل، وهي بذلك تشكل نموذجا للمقاولة.

إن مواكبة الدور الجديد للجماعة المقاولة، يحتم عليها نهج سياسة الانفتاح المتواصل، كما أن هذا الأمر، يستدعي تظافر جهود مجموعة من الفاعلين الأساسيين، والشركاء الجدد (المجتمع المدني، القطاع الخاص)، وإشراكهم في المحيط السوسيو تنموي بشكل فاعل وفعال، نظرا لما يتم توفيره من حلول ومعطيات لإشكالية التسيير والتمويل والبحث عن الجودة والمردودية وترسيخ مبدأ الشراكة الهادفة والمنعشة للاقتصاد المحلي.

[1] – رشيد أبوتور:الخلفية الحضارية للجودة، منشورات نادي الفكر الإسلامي الجديد، مطبعة طوب بريس الرباط،الطبعة1،2003، ص- 31 .

[2] – عمر وصيفي عقيلي: مدخل إلى المنهجية المتكاملة لإدارة الجودة الشاملة، وجهة نظر، دار وائل للنشر، عمان الأردن، ص- 31

مهندس ورجل الصناعة الشهير.صمم محركا بخاريا وعمره لا يتجاوز 15 سنة وأسس فيما بعد شركته المعروفة لصناعة السيارات التي تحمل اسمه. [3]

[4] Nicolas Duquesnes) L’expert (Démarche qualité : Pourquoi la mettre en place ? https://www.iterop.com/pourquoi-mettre-en-place-une-demarche-qualite/

[5] – ستيفن كوهين ورونالد براند:  إدارة الجودة الكلية في الحكومة، دليل عملي لواقع حقيقي، منشورات معهد الإدارة العامة، المملكة العربية السعودية، ص- 7.

[6] – كيرون ولش: الخدمات العامة وآليات السوق، المنافسة، إبرام العقود والإدارة العامة الجديدة، ترجمة محسن إبراهيم الدسوقي، مركز البحوث ومعهد الإدارة العامة، الرياض، طبعة 2003، ص- 129.

[7] – رسالة الجماعات المحلية : الأخلاق والشفافية في التدبير الجماعي، مرجع سابق، ص- 19

[8] – محمد الحياني: المرجع السابق، ص- 89.

[9] – عبدالله حداد: مساهمة الصفقات الجماعية في تحقيق التنمية المحلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية، عدد مزدوج، 4-5، 1993، ص- 15.

[10] – محمد النوحي: دور الصفقات الجماعية في التنمية المحلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، «سلسلة مواضيع الساعة»،عدد 19، 2000، ص- 32.

[11]  حفيظ يونسي: الجودة في تدبير الصفقات العمومية المبرمة من طرف الجماعات المحلية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سطات، السنة الجامعية 2006 /2007، ص- 5.

Loading...