أوراق المجانين _ الحلقة 8: ضابط الشرطة المجنون والمخبر واللوحة المزيفة

يوسف خليل السباعي

في أحد أقسام الشرطة بمدينة تحيط بها أشجار مربعة، وغير بعيد عن الجبل والبحر، كان عميد الشرطة يحتفظ في مكتبه بلوحة (مزيفة):” آكلو البطاطا” لفان خوخ. كانت هناك في المكتب منذ سنوات ( من أتى بها إلى هناك لا أحد يعلم) معلقة على الحائط، وكان العميد معجبا بها، ولايدع أحدا يقترب منها.

كان هذا العميد يتعاطف مع ضابط الشرطة، ويقربه منه، كما أنه يتغاضى عن أعماله وسلوكياته السيئة والقذرة. وفي ساعة مغادرته المكتب لايسمح لأي أحد بأن يدخل المكتب إلا ضابط الشرطة.

كان ضابط الشرطة يدخل إلى مكتب العميد منشرحا، ويخرج منه منشرحا إلى حد أنه أصبح يتصور نفسه هو العميد، وأن له القدرة في التصرف في المكتب وأم العميد أيضا، بل وحتى في ممتلكات المكتب دون أن يقترب منه أحد، وعندما كان يقف أمام لوحة ” آكلو البطاطا” المزيفة، والتي ليست الأصلية التي رسمها فان خوخ “المجنون” الحزين، كان يفتح فمه كالأبله، ويضحك، ويغضب، ولايفهم شيئا، وأحيانا تنتابه حالة من الجنون، أو جنون العظمة، متخيلا أن اللوحة ملكه، مع أنه لايعلم أن اللوحة مزيفة، وليست أصلية، فالأصلية مكانها معلوم.

في أحد الأيام، كان أحد المخبرين، والذي اعتقل في السابق، لسرقته لوحات مزيفة وبيعها، و(الذي) عقد مع العميد صفقة، بالسماح له بإطلاق سراحه على شرط أن يصبح مخبرا لمفوضية الشرطة، فوافق على الفور، جاء إلى القسم لمقابلة العميد، وحينما سمح له بالدخول وجد أمامه ضابط الشرطة، وبينما يتحدثان، رأى المخبر اللوحة المزيفة، وعرف، بتخيله، قيمتها المادية، فقال للضابط:” فكر معي، لنسرق هذه اللوحة… ثمنها عظيم وهي عظيمة!”.

قال الضابط:” دعني أخطط للأمر… سأتصل بك…”.

وفي ليلة من الليالي، دخلا إلى مكتب العميد، فحاولا سرقة اللوحة المزيفة من إطارها، إلا أن اللوحة ظلت ملتصقة بالإطار، لم ترد أن تخرج منه، الأمر الذي دفع بضابط الشرطة إلى تمزيقها بسكين صغير كان موضوعا على مكتب العميد، ثم جمعها، وقال للسارق المخبر:” أسرع بالخروج حتى لايراك العميد أو أي أحد آخر “. في هذا الوقت، وقبل خروج السارق المخبر من المكتب، فتح العميد الباب، ليفاجئ بالسرقة داخل مكتبه، ولم تكن أي سرقة عادية، بل هو المسروق، ولوحة المكتب، التي كان يعتبرها لوحته” آكلو البطاطا” دون أن يدري أنها مزيفة.
كان ضابط الشرطة ماهرا في الخداع والكذب وتلفيق التهم للأبرياء، فلم يجد أمامه من حل سوى إلصاق التهمة بالسارق المخبر الذي قبض عليه وهو يسرق اللوحة.

وهكذا، تم حبس السارق المخبر داخل زنزانة انفرادية بلا محاكمة. ولمعاقبته، كانت ترمى له ومن كوة صغيرة، بطاطا، في اليوم!

Loading...