المغرب مصنع السعادة | كان 2025 يرسخ مكانة الأسود ويكشف الوجوه الحقيقية

متابعة – صدى تطوان

انتهت إذن أحسن نسخة في التاريخ لكأس أمم إفريقيا المغرب 2025 بتتويج المنتخب السنغالي بلقبه الثاني بعدما تغلب على المنتخب المغربي بهدف دون رد في مباراة جرّت معها الكثير من القيل و القال نظرا للسيناريو الدراماتيكي الذي شهدته منذ بدايتها حتى نهايتها.

و حين نقول أن نسخة المغرب هي أحسن دورة منذ أن إحداث هذه التظاهرة الكروية سنة 1957 فإننا لا نتحدث من فراغ، فقد أبهر المغرب العالم و حطّم كل الأرقام القياسية باحتضانه هذا الحدث الرياضي بملاعب و مرافق و بنى تحتية بجودة عالية ناهيك عن الحضور الجماهيري الذي فاق المليون متفرج زيادة على البث التلفزي الذي شمل أزيد من 80 دولة دون إغفال المستوى التهديفي الذي بلغ 121 هدف كأعلى حصيلة في تاريخ كأس إفريقيا.

صحيح أننا كنا نمني النفس بمعانقة هذه الكأس التي نستحقها عن جدارة و استحقاق، إلا أن لعبة كرة القدم قد تكون فيها مفاجئات وجب التعامل معها، حيث أن هذه الخسارة لن تكون نهاية حلم وإنما ستعتبر محطة في مسار طويل من الإصرار والتطور و التوهج الرياضي، فالمنتخب الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم لعب نهائي كأس إفريقيا 2025، لم يعد يقاس بمجرد تحقيق لقب، بل بقدرته على البقاء في صدارة القارة و استكمال المشروع حتى في لحظات الإخفاق.

و لعل من إيجابيات كأس إفريقيا 2025 أنها عرّت الوجه الحقيقي لعدد من الدول العربية والإفريقية، وفضحت مستوى الوعي الرياضي والأخلاقي لدى البعض لما حولوا الخسارة في الملعب مجرد ذريعة لإطلاق العنان لكراهيتهم المكبوتة.

ما شاهدناه بعد المباراة من أجواء احتفالية بشوارع عدد من الدول العربية مثل مصر و الجزائر ابتهاجا بخسارة المنتخب المغربي، هو الخزي بعينه، وهذا بحد ذاته دليل على أن بلدنا أصبح مرجعاً لا يُمكن تجاهله، فلا يحتفل بسقوطنا إلا من يشعر أننا نشكل تهديداً لمكانته أو من يظهر ضعيفا أمام بلد اسمه “المغرب”.

ربما يكون المنتخب المغربي قد خسر اللقب رياضياً، لكنه في المقابل ربح شيئاً أثمن بكثير: نفسه وثقة شعبه ومكانته بين الأمم و صار لنا منظار جديد نرى به من هو الصديق و من هو الخصم، وأن قدرنا في المغرب أن نعيش كأننا جزيرة، لا تفصلنا البحار عن محيطنا بقدر ما تعزلنا المواقف، ولا تحيط بنا الأمواج بقدر ما تطوقنا الحسابات الضيقة، جزيرة اختارت أن تعتمد على ذاتها، وأن تشق طريقها وسط محيط مضطرب، تدفع ثمن استقلال قرارها، لكنها في المقابل تصنع معناها بيدها، وتمضي، مهما اشتد التيار.

لقد صار المغرب في هذا “الكان” مصدر سعادة مزدوجة نادرة الحدوث في عالم الرياضة: سعادة نقية صافية غمرت قلوبنا و قلوب أصدقائنا و محبينا مستمدة من إنجاز تاريخي عظيم وأداء بطولي مبهر قادنا إلى النهائي الحُلم، في مقابل سعادة “سامة” تقطر غِلاًّ ملأت أفئدة “العدو” مشوبة بالشماتة و الحسد.

لذلك، حتى لو طال الانتظار على تحقيق الكأس الإفريقية، فإن ما يملكه الشعب المغربي اليوم من فخر وانتماء وثقة متبادلة بين اللاعبين والجماهير لن ينتزعه أحد، هذا الإرث المعنوي أثبت أنه أشد متانة من أي تاج مادي، لأنه مبني على تضحيات حقيقية، وعلى قصص خالدة، وعلى إيمان عميق بأن الأسود يستحقون مكانتهم بين الكبار.

Loading...