صدى تطوان-حمزة الإبراهيمي
ليس الخبر الصادم هو ما كشفه تقرير أودوكسا الأخير “baromètre Odoxa”، المنجز لفائدة موقع ALBUS الفرنسي المختص في برمجيات التمريض القيادي، والذي نشرته قناة RTL الفرنسية يوم الاربعاء 25 مارس 2026، من أن 36% من الممرضين بفرنسا يفكرون في مغادرة المهنة، وأن 65% منهم يرون أن ظروف العمل تدهورت خلال خمس سنوات، وأن الإحساس بلغ حدا يكاد يتحول إلى إهانة جماعية لمهنة تمسك يوميا بنبض الحياة داخل المستشفيات والمصحات والبيوت، وأن التعب لم يعد نفسيا فقط، بل صار يقاس أيضا باضطرابات النوم، والآلام العضلية الهيكلية، والانهاك المتراكم.
الصدمة الحقيقية هي أن هذا النزيف يقع في بلد ما يزال، رغم أزماته، ينفق على الصحة 11.54% من ناتجه الداخلي الخام، ويبلغ إنفاقه الصحي الجاري للفرد ازيد من 53.270 درهم في السنة، ويتوفر على 5.4 أسرّة استشفائية لكل ألف نسمة. ومع ذلك، لم ينجح في حماية ممرضيه من الاحتراق والإرهاق والرغبة في الانسحاب. بل إن مديرية الدراسات والإحصاء الفرنسية DREES تتوقع أن تحتاج فرنسا إلى 80 ألف ممرض إضافي بحلول سنة 2050 فقط للحفاظ على مستوى التغطية الحالي، فيما حذر المكتب الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية، في فبراير 2026، من أن النقص غير الآمن في التمريض يدفع المهنيين إلى مغادرة الميدان ويهدد سلامة المرضى.
فإذا كانت هذه هي الحال في فرنسا، فبأي منطق يطلب من الممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب، ومعهم كل مهنيي الصحة بمختلف فئاتهم، أن يواصلوا الصمت، أو أن يقبلوا بأنصاف الحلول، أو أن يتحملوا وحدهم كلفة الأعطاب التاريخية للمنظومة الصحية؟
فالمغرب، بحسب المعطيات الرسمية إلى حدود 2023، لا يتوفر إلا على 1.03 من الممرضين أو القابلات لكل ألف نسمة، مقابل قيمة مرجعية تبلغ 4.5 لكل ألف، كما لا يتوفر إلا على 0.80 طبيب لكل ألف نسمة. وهذا ليس مجرد خصاص، بل عجز بنيوي في الموارد البشرية الصحية. وعلى مستوى الإنفاق، لا يتجاوز الإنفاق الصحي الجاري للفرد في المغرب 2320 درهم سنويا، فيما يبلغ الإنفاق الصحي الجاري 6.06% من الناتج الداخلي الخام. أي إننا لا نواجه فقط ضغط العمل، بل نواجه ضغط العمل داخل منظومة أقل تمويلا بكثير، وأقل جذبا للكفاءات، وأقل قدرة على توفير شروط الممارسة الكريمة، المحمية، المستقرة، والمحفزة.
وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يحرج الجميع، حكومة وإدارة ومؤسسات تمثيلية وخطابا رسميا بأكمله: إذا كان ممرض فرنسي واحد من كل ثلاثة يفكر في الهروب من الميدان، حسب إحصائيات تقرير ODOXA دائما، داخل منظومة أقوى أجورا وتمويلا وتجهيزا وحماية وتحفيزا، فكم من ممرض وتقني صحة مغربي، وكم من إطار صحي من مختلف الفئات، يفكر في الشيء نفسه يوميا، لكنه لا يجد حتى رفاهية التصريح بذلك؟
كم واحدا منهم يواصل العمل لا لأن شروط المهنة عادلة، بل لأنه محاصر بواجبات اجتماعية ثقيلة تجاه أسرته من جهة، وبانسداد الأفق المهني والاجتماعي من جهة أخرى؟ وكم واحدا منهم يطلب منه يوميا أن يسد خصاص الموارد، ويرقع هشاشة البنيات، ويتحمل غضب المرتفقين، ويؤدي ثمن السياسات العمومية المؤجلة، ثم يطالب بعد ذلك بالصمت باسم “نبل الرسالة”؟ إن تحويل نبل المهنة إلى ذريعة دائمة لابتلاع الظلم هو أبشع أشكال الاستغلال الرمزي الذي مورس، وما يزال، على الفئات الصحية، وخاصة مقدمي العلاجات.
والحال أن المغرب لا يعيش فقط ضغط الواقع القديم، بل يعيش أيضا ارتباك الانتقال نحو المنظومة الصحية الوطنية الجديدة. نعم، لقد وضعت اللبنات القانونية الكبرى، كقانون الإطار 06-22 لإعادة بناء المنظومة الصحية الجديدة، وقانون المجموعات الصحية الترابية 08.22، وكذلك القانون 09-22 الخاص بالوظيفة الصحية. وتم تحديد الشروع الفعلي للنموذج الأول بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، مع نقل الموظفين والمستخدمين تلقائيا إلى المجموعة، وضمان استمرار الأجور من الميزانية العامة، ومعالجة الخزينة للمصاريف خلال المرحلة الانتقالية.
كما انعقد أول مجلس إدارة لهذه المجموعة في 28 يوليوز 2025، وأعلنت الحكومة، في نهاية 2025، تسجيل “مؤشرات أولية إيجابية” والشروع في التحضير للتعميم. لكن بين النص والواقع، وبين الهندسة القانونية واليومي المهني، تبقى الحقيقة أكثر خشونة. فكل إعادة هيكلة لا تضع الشغيلة الصحية، وفي طليعتهم الممرضين وتقنيي الصحة، في مركزها الفعلي لا في هوامشها الإدارية، تتحول من وعد بالإصلاح إلى إعادة توزيع منظم للضغط.
لهذا كله، فإن أكبر خطأ سياسي ومؤسساتي يقع الآن في المنظومة الصحية بالمغرب هو الاكتفاء بالاحتفال بهندسة الإصلاح، فيما القاعدة البشرية التي يفترض أن تحمل هذا الإصلاح ما تزال تشتغل تحت ضغط الخصاص والتفاوتات والغموض. فالحقيقة التي لا يجوز تزويقها هي أن تعديل المنظومة الصحية، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده إذا لم يترجم إلى أثر واضح في الأجور، والتحفيز، والتنقل المهني، والحماية القانونية، وبيئة العمل، والتجهيز، والتقدير المؤسسي. فالمنظومة لا تحتاج فقط إلى نصوص جديدة، بل تحتاج إلى عدالة مهنية جديدة.
إن ما يجري اليوم في المغرب أخطر من مجرد خصاص في الأطر أو بطء في تنزيل الأوراش. نحن أمام مفارقة قاسية: إصلاح صحي كبير يعلن بأفق استراتيجي واسع، لكنه يهدد بأن يبنى فوق قاعدة بشرية منهكة، قلقة، ومستنزفة. وإذا لم تلتقط هذه الحقيقة الآن، فإن المجموعات الصحية الترابية قد تتحول من رافعة للتقريب والنجاعة إلى فضاء جديد لإعادة تدوير الضغط. كما هو الشأن بالنسبة للوكالة المغربية للدم ومشتقاته، والوكالة المغربية للأدوية والمستلزمات الصحية، التي تبقى عنوانا مؤسساتيا نبيلا دون أثر كاف في تخفيف الاختناق الميداني. أما الهيئة العليا للصحة، فقد تبقى فكرة عظيمة بتنزيل مشلول تماما.
إن الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بصوت مرتفع هي أن المنظومة الصحية لا تنهار حين تغلق المستشفيات أبوابها، بل تنهار قبل ذلك بكثير: حين تفقد الأطر الصحية المعنى في تواجدها وعطائها، ويصبح البقاء في المهنة شكلا من أشكال الاستنزاف اليومي، ويعامل أصحاب الخط الأول كأدوات لسد الخصاص لا كفاعلين أساسيين في العلاج والوقاية والأمن الصحي.
لذلك، فإن أي حديث عن إصلاح صحي في المغرب، من دون رد اعتبار شامل لمهنيي الصحة بمختلف فئاتهم، وفي مقدمتهم الأطباء والممرضون وتقنيو الصحة ومساعدو الصحة والتقنيون والإداريون، ماديا ومهنيا وقانونيا ومؤسساتيا، ليس إصلاحا، بل بلاغة إدارية فوق ركام بشري متعب. إن الذين يستهينون اليوم بهذا الإنذار سيفيقون غدا على الحقيقة الأكثر قسوة: حين ينسحب مقدمو العلاجات، أو ينهارون، أو يفقدون قدرتهم على الاحتمال، لن يخسروا لوحدهم، بل ستخسر معهم المنظومة برمتها، ويخسر معهم المواطن حقه في العلاج الآمن والمنصف والإنساني، أمام لوبي في القطاع الخاص ينتشر ويتضاعف يوميا بجاذبية أكبر.
هذه ليست قضية فئوية ضيقة، ولا ملفا مطلبيا هامشيا، ولا مجرد احتجاج نقابي على الأجور أو الترقيات. هذه قضية كرامة مهنية، وعدالة صحية، وأمن اجتماعي. وإذا كانت فرنسا، بكل ما لديها، تدق اليوم ناقوس الخطر لأن التمريض هناك ينزف، فإن المغرب ليس معنيا فقط بالإنصات، بل بالارتجاف؛ لأن ما يعد في فرنسا أزمة جاذبية مهنية قد يتحول عندنا، إن استمر هذا التجاهل، إلى أزمة بقاء منظومة بأكملها.







