صدى تطوان
تطرح الممارسة الصحفية بالمغرب، في علاقتها بالمنظومة القضائية، الكثير من الإشكاليات العميقة التي تمس في الجوهر روح الحرية المضمونة دستوريا، ولعل أبرز هذه الإشكاليات تتجلى في “المفارقة القانونية” الصارخة بين رغبة معلنة في ملاءمة قضايا النشر مع مدونة الصحافة والنشر الخالية من العقوبات السالبة للحرية، وبين التفاف مفضوح على هذه المقتضيات عبر اللجوء إلى فصول القانون الجنائي، وتحديدا من خلال آلية “الشكاية المباشرة” التي أصبحت تُستغل في كثير من الأحيان كأداة كيدية وتصفية حسابات سياسية لتكميم أفواه الإعلاميين وتضييق الخناق على الحق في التعبير الرقابي. وتتجلى هذه المفارقة بوضوح ملموس عند تأمل حالة واقعية تعكس هذا الصراع المحموم؛ حيث تظهر الوثائق الرسمية المستندة إلى الاستدعاء الموجه من رئيس جماعة الزيتون بإقليم تطوان، لحضور أشغال دورة أكتوبر العادية العلنية، وهي الدورة التي يُفترض أنها محطة علنية ديمقراطية تخضع لرقابة الرأي العام الذي يمثله الإعلام، غير أنها تحولت فجأة في نظره إلى أرضية لخلفيات انتقامية تهدف إلى معاقبة من ينقل الحقيقة وينتقد غياب الرموز الوطنية.
إن المفارقة الصادمة تتبلور في تحريك قضية ملف شكاية مباشرة أمام المحكمة الابتدائية بتطوان مسجلة تحت رقم 4111 / 2901 / 2026، موجهة ضد الجريدة الإلكترونية “صدى بريس – Sada press” والمستشار الجماعي بنفس المجلس رشيد الخنوس، وبدلا من مناقشة المادة الإعلامية أو اللجوء إلى قانون الصحافة والنشر، تم تكييف التهمة بناءً على الفصول 447-2 من مجموعة القانون الجنائي المتعلقة ببث وتوزيع صورة شخص دون موافقته وادعاء وقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم. والمضحك المبكي في هذه النازلة، أن المقال المرفق بالشكاية كان في عمقه ودلالاته نداءً حريصاً يدعو لتعزيز هيبة المؤسسات، وينتقد غياب العلم الوطني وصورة جلالة الملك عن قاعة الاجتماعات الرسمية؛ وهي ملاحظة بروتوكولية وطنية صرفة تهم المصلحة العامة ورمزية الدولة، لكن رئيس المجلس الجماعي كان له تفسير وقراءة قانونية على هواه، وحوّر هذا الحرص الوطني إلى “مساس بحياته الخاصة” لمجرد أن الصورة الملتقطة في قاعة عمومية تظهره رفقة بقية الأعضاء.
هنا تكمن القوة التدميرية لهذه المفارقة السريالية؛ فبينما تعقد دورات المجالس الجماعية بشكل علني بقوة القانون، ويملك الإعلام كامل الحق والواجب في تغطية أشغالها ونقل تفاصيلها لضمان الشفافية، يعمد المسؤول الجماعي إلى تفعيل مقتضيات جنائية وُضعت أصلا لحماية حرمة الأفراد الخصوصية، وإسقاطها تعسفا على نشاط مرتبط بالحياة العامة والانتداب السياسي والمؤسساتي، مما يجعل اللجوء إلى الفصل 447-2 في هذا السياق محاولة واضحة لتكميم وتقييد حرية الصحافة، ومسعى يرتدي عباءة القانون لكنه يحمل بطياته طبيعة كيدية انتقامية بقصد التضييق على الإعلام المستقل ومنعه من ممارسة دوره الرقابي، إذ كيف لحدث علني يُستدعى له العموم أن يصبح فجأة “حياة خاصة”؟ إن هذه القضية تعيد للواجهة ضرورة الحسم التشريعي والقضائي لمنع الهروب المستمر من قانون الصحافة نحو القانون الجنائي، لحماية المكتسبات الحقوقية الوطنية من قراءات تعسفية تخدم مصالح ضيقة على حساب حرية الرأي والتعبير المسؤول.








