عبد العزيز الطريبق، في 18 شتنبر 2026
تصريحات أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، حول أزمة سبتة المحتلة بكون “حدود مدينة سبتة هي حدود أوروبية”، قبيل اجتماع البرلمان الأوروبي، جاءت لتعطينا فكرة عن “العقلية” الأوربية العميقة المتعالية من فوق خلفيتها الاستعمارية القديمة، والتي مازالت افريقيا والشرق الأوسط وباقي أنحاء العالم يجترون تبعاتها. طبعا يمكنها أن تصرح بهذا ما دام المغرب لم يتوجه بعد لطرح الملف بقوة على أنظار المنتدى الدولي المختص، والكل يعلم أن هذا لا يدخل ضمن أولويات المغرب الحالية…
غير أن الرسالة الأوضح جاءت من البرلمان الأوروبي ومفادها أن ليل اليمين واليمين المتطرف الأوروبي آت لا ريب فيه… فالبرلمان هذا تبنى يوم الخميس، بأغلبية كل أطراف اليمين قرارات أريد لها أن تكون مجحفة في حق المغرب وتذهب في اتجاه ما روج له اليمين الإسباني وفوكس واليسار المتطرف فيما يخص “الحرب الهجينة”، مع التأكيد على كون سبتة “حدودا أوربية”، وإن كانت قرارات لم تصل لمستوى الإدانة الصريحة، إضافة لكونها قرارات غير ملزمة. لكن النية حاضرة، نية الغطرسة اليمينية المعززة بأقصى اليمين الفاشي، التي لم تتردد، في إسبانيا، في ضرب استقرار بلدها وتعريضه لتصدع علاقات طويلة مع المغرب بنيت بصبر كبير على امتداد عشرات السنين، من أجل إسقاط حكومة سانشيز التي تدافع عن نفس مصالح إسبانيا من منظور مختلف وبطرق مختلفة.
رسالة اليمين واليمين المتطرف يجب أن تلتقط كما هي بالنسبة لدول الجنوب (ومنها من يفرح بسذاجة لما يقع ضد المغرب، متجاهلا أن المقصود هو إعادة الهيمنة الأوربية على دول الجنوب بصيغ أخرى قد تكون أكثر قسوة)…
طبعا جواب المغرب لحد الآن، جاء من خلال أحمد رضا الشامي، سفير المغرب لدى الاتحاد الأوربي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي أكد على أن القرار “لا يتضمن أي اتهام أو إملاء تجاه المغرب، ولا يتبنى أيا من محاولات توظيف قضية الهجرة .كما أشار إلى أن « العديد من التعديلات ذات الطابع العدائي لم يتم اعتمادها في نهاية المطاف، بفضل المقاربة المسؤولة والبناءة والرصينة لغالبية النواب الأوربيين، لا سيما المنتمين إلى التشكيلات السياسية الرئيسية في البرلمان الأوربي “…

لكن، لا شك أن الدبلوماسية المغربية تعد العدة لهذه المستجدات، بل ربما استبقتها، لأن السياسة الخارجية تقوم على الاستباق دائما، وإلا انعدمت أهميتها. لا داعي للتذكير هنا بأن المغرب اختار طريقه وتحالفاته في عالم تنفجر أطرافه ويتصاعد فيه التوتر وتغلب عليه سمات اللجوء للقوة في حل النزاعات. بعيدا عن ترهات “العروبة” السياسية التي استعملتها الأنظمة القومجية سابقا لبسط نفوذها على العالم العربي…
وبطبيعة الحال لن يكون من السهل “فك الارتباط” ما بين المغرب ودول الاتحاد الأوربي، والعكس بالعكس… لكن بإمكان المغرب اتخاذ إجراءات خاصة به للرد على هذه الغطرسة في جزئها الإشكالي الحالي، المتعلق بالهجرة. فإن رغبت أوروبا في حماية ما تعتبره “حدودها الجنوبية” فلتتحمل مسؤولية ذلك لوحدها، وليس على المغرب أن يكون حارسا طيعا لها. وإن كانت أوربا تتحجج بالدعم المالي المقدم للمغرب في إطار مساعدته على محاربة الهجرة غير النظامية، فبإمكان المغرب أن يرفض تلك المبالغ التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويفك الارتباط مع الاتحاد الأوربي في هذا الموضوع. فمبلغ 150 مليون أورو، قيمة المساعدة السنوية، لا تساوي حتى ميزانية فريق متوسط من البطولة الإسبانية كفريق ريال سوسيداد ، وبالأحرى أن تضمن الحفاظ على ما تعتبره أوربا حدودا لها. ينفق المغرب سنويا أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ لذلك الغرض، ويمكنه أن يخصصها لمجالات أخرى من مجالاته السيادية ويترك اسبانيا تعسكر سبتة، كما يرغب في ذلك أهل اليمين وأقصاه، ويترك أوربا تنفق مبالغ خيالية لحماية مربع سبتة ومليلية من الهجرة ولحماية الشواطئ العريضة لإسبانيا التي تتدفق عليها “الباطيرات” حتى من الجزائر مؤخرا… إعادة النظر في هذا البند المثير “للمشاكل” لا يعني المس بمجالات التعاون الأخرى حيث المصالح متبادلة…
وإن نجحت مساعي إسبانيا الاستعمارية في إدخال سبتة ضمن المجال الحدودي التجاري الأوربي، فليس هناك ما يلزم المغرب بالاستجابة على مستوى سبتة ومليلية، فالمغرب يتوفر على موانئ متوسطية كبيرة قادرة على استيعاب التبادل التجاري مع أوربا دون حاجة للمدينتين السليبتين. بل يمكن للمغرب إغلاق الممرات نحو المدينتين بشكل شبه تام. على أن يخصصها فقط للعاملين الحدوديين من المغاربة، وعددهم مضبوط وموثق، ولمغاربة سبتة (أو “المسلمون” كما يحلو للمعمرين الإسبان تسميتهم) الراغبين في إحياء صلة الرحم مع عائلاتهم في شمال المغرب… على أن تغلق الممرات بالمرة أمام المغاربة المتوجهين لأوربا والذين سيتعين عليهم الانطلاق من الموانئ المغربية.
فماذا عسى الاتحاد الأوروبي أن يفعل؟ إرسال البوارج الحربية لقصف مدن الشمال المغربي؟ إجبار المغرب على قبول مرور السلع تحت تهديد الأسلحة؟ إجبار المغاربة المتوفرين على فيزا شينغن على الانتقال للتفسح في مدن صغيرة محدودة الإمكانيات السياحية؟
أوربا التي تشيخ في حاجة لتجديد شبابها من خلال الهجرة، وفي حاجة لليد العاملة، ولن ينفعها سوى العودة لمأسسة الهجرة وتنظيمها حسب حاجياتها كما كان الحال في الستينات، مثلا. أما تنطع اليمين وأحلامه العسكرتارية والانغلاقية فلن تؤدي به سوى لتصدع السقف الأوربي.






