أزمة سبتة المحتلة: الرسالة وصل

ربيع الرايس

عند قراءة البيان الصادر عن وزارة الداخلية بشأن التطورات الأخيرة على أطراف مدينتي سبتة ومليلية المحتلين، يسترعي الانتباه ذلك الحرص الشديد على صياغة “لطيفة” ومهذبة لغويا وإداريا، تغلف دلالات الاستراتيجيات الكبرى بلغة المؤسسات الجافة والمحسوبة بميزان الذهب. فمن المعروف في أدبيات السياسة الدولية أن البلاغات الرسمية لا تُنشر لتكشف عن جوهر الصراعات الاستراتيجية المعقدة، بل تصدر عادة بعد أن تصل الأطراف المعنية إلى مساحات للتفاهم أو إيجاد مخارج توافقية تجيب عن الأسباب العميقة للأزمة دون إراقة الكثير من الحبر الجيوسياسي.

تهنئة

لقد أخذ المغرب وقته كاملا في إدارة هذا الملف؛ فبينما يستمر الحراك الاقتصادي والاجتماعي وتتواصل الديناميات الداخلية في أرجاء المملكة، كان للضغط المتولد على الشريط الحدودي وقع آخر داخل المطبخ السياسي الإسباني. فقد وجدت حكومة مدريد نفسها أمام اختبار داخلي وخارجي عسير، وتداخلت الحسابات الحزبية بالمواقف الأورو-متوسطية، لينتهي المطاف بفرض واقع يتطلب مراجعة التفاهمات الثنائية وآليات المراقبة الحدودية.

إن نتائج هذه الرسائل غير المباشرة لا تلبث أن تظهر أثارها في العلن. والمثير للتأمل هنا أن رئيس الحكومة الإسبانية “بيدرو سانشيز” اختار بدور حصر تعليقه في نطاق المشكل الفني والأمني ذاته، محاولا تجنب الغوص في الأبعاد الجيوسياسية المباشرة، وهو سلوك يتقاطع تماما مع الروح العامة للبلاغ المغربي.

إن تفكيك لغة البلاغ — بدءا من الحديث عن “التأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية” إلى التركيز على “إعادة الأوضاع إلى وتيرتها الاعتيادية بمحض الإرادة” — يؤكد أن الأزمة لم تكن مجرد اندفاع أمني عابر عند المعابر الحدودية، بل كانت جزءا من لعبة توازنات أعمق، يراد منها التأكيد على أن إدارة شريط حساس بحجم شمال المغرب وإسبانيا تتطلب رؤية شمولية تقاسمية تتجاوز مجرد البيانات الرسمية المهدئة.

تهنئة
Loading...